خلال السنوات الماضية، نجحت المملكة العربية السعودية في إحداث تحول اقتصادي لافت، انتقلت معه من الاعتماد التقليدي على الإيرادات النفطية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا يستند إلى محركات نمو متعددة.
فمنذ إطلاق رؤية السعودية 2030، تسارعت وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والاستثمارات الاستراتيجية التي استهدفت تطوير قطاعات واعدة ورفع مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
ولم يعد النمو الاقتصادي السعودي مرتبطًا بالنفط وحده، إذ برزت القطاعات غير النفطية كأحد أبرز روافد التنمية، مدفوعة بالتوسع في السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتقنية، إلى جانب تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات المحلية والأجنبية.
وتشير توقعات المنظمات الدولية ووزارة المالية السعودية إلى استمرار نمو الاقتصاد السعودي خلال عامي 2026 و2027، مدفوعًا بتوسع القطاعات غير النفطية وقوة المركز المالي والميزانية العامة للدولة.
القطاعات غير النفطية تقود النمو الاقتصادي
يؤكد التقرير السنوي لرؤية السعودية 2025 نجاح هذه الجهود، حيث ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 55% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، لتتجاوز بذلك نصف حجم الاقتصاد السعودي.
ويعد هذا التحول أحد أبرز مؤشرات نجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تبنتها المملكة خلال السنوات الماضية، بما أسهم في تعزيز تنافسيتها على المستويين الإقليمي والعالمي.
كما سجلت الصادرات السلعية غير النفطية مستوى تاريخيًا غير مسبوق، متجاوزة 363 مليار ريال في عام 2025، مقارنة بنحو 178 مليار ريال في عام 2016، محققة نموًا تجاوز 100% خلال أقل من عقد. وتبرز هذه الأرقام الدور المتنامي للقطاعات غير النفطية في دعم الاقتصاد الوطني، وترسيخ مسار التحول نحو اقتصاد يعتمد على مصادر دخل متعددة ومحركات نمو مستدامة.
استقطاب الاستثمارات وتمكين القطاع الخاص
كما واصلت المملكة تعزيز جاذبيتها الاستثمارية، لاستقطاب المزيد من رؤوس الأموال المحلية والأجنبية. ولعب صندوق الاستثمارات العامة دورًا محوريًا في هذا التحول، ليصبح أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي في المملكة. وبنهاية عام 2025، بلغت قيمة الأصول المدارة من قبل الصندوق نحو 3.41 تريليون ريال، ما يعكس حجم دوره في دعم التنمية الاقتصادية وتحفيز الاستثمار.
كما انعكست هذه الجهود على تنامي دور القطاع الخاص وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني، خاصة من خلال دعم ريادة الأعمال وتمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
وأسهمت البرامج والمبادرات التي أطلقتها الجهات المعنية، وفي مقدمتها الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وبنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الحلول التمويلية التي توفرها الشركة السعودية للاستثمار الجريء، في توسيع قاعدة الأعمال وتحفيز الابتكار.
وأثمرت هذه الجهود عن ارتفاع عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى نحو 1.7 مليون منشأة، يعمل فيها أكثر من 8.88 مليون موظف، فيما تجاوز عدد المنشآت المملوكة للشباب السعودي 474 ألف منشأة. وتعكس هذه المؤشرات النمو المتسارع لمنظومة الأعمال في المملكة، والدور المتزايد للقطاع الخاص في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.
السياحة رافد متنامٍ للنمو الاقتصادي
تشهد المملكة نشاطًا سياحيًا متناميًا وغير مسبوق، مدفوعًا بجهود تطوير القطاع السياحي خلال السنوات الماضية، بما عزز من جاذبية المملكة كوجهة متنوعة تفتح آفاقًا واسعة للاستكشاف والتجربة.
وفي هذا السياق، بلغ عدد السياح المحليين والوافدين من الخارج نحو 123 مليون سائح، فيما وصل حجم الإنفاق السياحي إلى حوالي 304 مليارات ريال، ما يعكس قوة الحركة السياحية وتزايد الإقبال على الوجهات داخل المملكة. كما ارتفع عدد التراخيص إلى 5,937 ترخيصًا للمرافق السياحية، في مؤشر على توسع الاستثمارات وتحسن بيئة الأعمال في القطاع.
ويبرز الدور المتنامي لقطاع السياحة في دعم النشاط الاقتصادي، حيث أسهم بشكل مباشر بنسبة 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس مكانته كأحد المحركات الرئيسية للتنويع الاقتصادي
نمو متسارع في قطاعي الصناعة والتعدين
شهد قطاعا الصناعة والتعدين تطورًا ملحوظًا يعكس التقدم المتسارع في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، من خلال توسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد.
وفي قطاع الصناعة، بلغ إجمالي عدد المصانع في المملكة نحو 12,946 مصنعًا بنهاية عام 2025، منها 10,394 مصنعًا منتجًا و2,552 مصنعًا تحت الإنشاء، فيما وصلت الاستثمارات في المصانع الجديدة إلى 76.1 مليار ريال، بما يعكس نموًا متسارعًا في الطاقة الإنتاجية وتعزيزًا للتصنيع المحلي.
وفي قطاع التعدين، ارتفع عدد التراخيص التعدينية السارية إلى 2,925 رخصة، بإجمالي استثمارات في الرخص الجديدة يقدر بنحو 44 مليار ريال، في حين بلغت قيمة صادرات القطاع نحو 56 مليار ريال، ما يؤكد تنامي دوره كمحرك رئيسي في دعم الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل.
الاقتصاد الرقمي محرك للنمو
أسهمت البنية التحتية الرقمية المتقدمة في المملكة في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز ازدهار الاقتصاد الرقمي، إلى جانب تمكين الشركات التقنية الناشئة، بما يعزز من مكانة المملكة وريادتها في هذا المجال على المستوى العالمي.
وفي هذا السياق، بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي نحو 15.8% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس حجم التطور المتسارع في القطاع ودوره المتزايد كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي ودعم مسار التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية.
اقرأ أيضًا:
هل خرج الاقتصاد الإيراني رابحًا من الحرب؟
بعد تثبيت الفيدرالي الأمريكي للفائدة.. ماذا يعني القرار للاقتصاد العالمي؟
معايير التمويل.. كيف تتأكد أن القرض قرار صحيح؟














