أدت أشهر من الحرب والحصار إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني، إذ تكبدت قواتها البحرية خسائر فادحة وتعرّض سلاحها الجوي للتدمير، فيما أصيب الاقتصاد الإيراني بأضرار واسعة.
ومع ذلك، وبعد أن يهدأ ضجيج الحرب، قد يجد النظام الإيراني نفسه في وضع مالي أفضل مما كان عليه قبل اندلاعها، إذ تتضمن مذكرة التفاهم المكوّنة من 14 بندًا بين إيران والولايات المتحدة إلغاء تجميد الأصول الإيرانية، ورفعًا واسعًا للعقوبات وتدفقات استثمارية ضخمة، إلى جانب السماح لطهران ببيع نفطها بصورة قانونية.
ورغم استمرار الغموض بشأن كثير من تفاصيل الاتفاق، الذي يقول مسؤولون أمريكيون إنه سيُوقّع في سويسرا يوم الجمعة، فإن الحوافز المالية الواردة فيه قد توفر للحكومة الإيرانية الأموال اللازمة لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني، وربما تمهّد لتطبيع علاقاتها مع المستثمرين الأجانب، في تحول قد يكون جذريًا بالنسبة إلى البلاد.
المحرك الرئيسي للاقتصاد الإيراني
يتمثل الأثر الأكثر أهمية وفورية للاتفاق في إعادة تشغيل المحرك الرئيسي للاقتصاد الإيراني، وبعد رفع العقوبات، ستتمكن إيران من بيع ملايين البراميل من النفط المخزّن على متن ناقلات عائمة.
ووفقًا لخورخي ليون، رئيس قسم التحليلات الجيوسياسية في شركة «ريستاد» للاستشارات، قد تستطيع طهران أيضًا تصدير نحو مليوني برميل من النفط يوميًا بزيادة تقارب الثلث مقارنةً بمستويات التصدير التي حافظت عليها قبل الحرب.
وبما أن هذه المبيعات ستصبح رسمية وقانونية، فلن تضطر إيران إلى تقديم الخصومات الكبيرة التي كانت تمنحها للمشترين مقابل تحمّل مخاطر التعامل معها في ظل العقوبات.
وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تحصل الحكومة الإيرانية على نحو 50% من إيراداتها من مبيعات النفط.
وللالتفاف على العقوبات الأمريكية، اعتمدت طهران لسنوات على ما يُعرف بـ«أسطول الظل» لتصدير نفطها، وكان الجزء الأكبر منه يتجه إلى الصين.
وينص الاتفاق على أن تمنح وزارة الخزانة الأمريكية إيران إعفاءات فورية من العقوبات، تشمل نقل النفط والتأمين عليه وبيعه، إضافةً إلى تمكين طهران من تحصيل عائداته عبر المؤسسات المالية.
وإذا اقتصر الإعفاء من العقوبات على فترة تمديد وقف إطلاق النار، البالغة 60 يومًا بعد توقيع الاتفاق، فقد يتردد المشترون الدوليون في الدخول في صفقات طويلة الأجل مع إيران، وفقًا لتحذير همايون فلكشاهي، محلل أسواق النفط في شركة «كيبلر».
وفي المقابل، وافقت إيران على ضمان المرور المجاني عبر مضيق هرمز لمدة 60 يومًا فقط، ما قد يتيح لها لاحقًا استئناف فرض رسوم على الناقلات تُقدّر بنحو دولار واحد مقابل كل برميل نفط تحمله.
وكانت هذه الرسوم تدر على إيران قرابة مليوني دولار عن كل ناقلة كبيرة تعبر الممر المائي.
وبدأت شحنات النفط الإيراني في العودة بالفعل؛ إذ نجحت طهران في تصدير 3.8 مليون برميل عبر مضيق هرمز خلال هذا الأسبوع، بعد موافقة الولايات المتحدة على إنهاء حصارها البحري، وفقًا لبيانات شركة الاستخبارات البحرية «تانكر تراكرز».
إلغاء تجميد الأصول الإيرانية
قد تتمكن إيران من استعادة جانب كبير من تدفقاتها النقدية المفقودة سريعًا، إذا ألغت الولايات المتحدة تجميد أكثر من 100 مليار دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة حاليًا في بنوك بمناطق مختلفة من العالم.
ورغم أن توقيت الإفراج عن هذه الأموال ونطاقه لا يزالان غير واضحين، فإن الاتفاق ينص على أن تصبح الأموال والأصول الإيرانية المجمدة «متاحةً بالكامل» لاستخدام البنك المركزي الإيراني.
وتقدّر وسائل إعلام ومحللون إيرانيون قيمة الأصول المجمدة بما يتراوح بين 124 و167 مليار دولار، وهو مبلغ يعادل نحو ربع الناتج الاقتصادي السنوي لإيران قبل الحرب، وفقًا لفريدريك شنايدر، الزميل غير المقيم في مجلس الشرق الأوسط.
وأشار غريغوري برو، كبير محللي شؤون إيران والطاقة في مجموعة «أوراسيا»، إلى أن الأموال التي قد يكون الوصول إليها أكثر سهولةً تشمل نحو 12 مليار دولار مودعةً في قطر.
وكانت إيران قد أصرت على استعادة جزء كبير من أصولها المجمدة قبل الموافقة على أي اتفاق. لكن مسؤولًا أمريكيًا قال لشبكة «سي إن إن»، يوم الأحد، إنه «لن يُفرج عن أي أموال مجمدة قبل أن ينفذ الإيرانيون التزاماتهم».
ويمكن لهذه الأموال، حال الإفراج عنها، أن تمنح الاقتصاد الإيراني سيولةً كبيرةً تساعده على تمويل الواردات وإعادة بناء القطاعات المتضررة، لكنها ستظل مرتبطةً بشروط تنفيذ الاتفاق.
صندوق استثمار بقيمة 300 مليار دولار
قد يمهّد الاتفاق أيضًا لإنشاء صندوق استثماري تبلغ قيمته 300 مليار دولار، وهو ما قد يساعد إيران بصورة كبيرة على إعادة بناء ما دمرته الحرب.
فقد ألحقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية أضرارًا واسعةً بالبنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك مصانع الصلب ومنشآت البتروكيماويات. وتقول السلطات الإيرانية إن قيمة الأضرار بلغت نحو 270 مليار دولار، رغم تعذر التحقق من هذا التقدير بصورة مستقلة.
ويرى عدنان مزراعي، الزميل الأقدم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي والنائب السابق لمدير صندوق النقد الدولي، أن إعادة تأهيل هذه الصناعات ستحتاج إلى موارد ضخمة ووقت طويل.
ورغم أن تفاصيل الصندوق لا تزال غامضةً، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب تقول إنه سيُموّل من القطاع الخاص، وليس من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
وقال ترامب للصحفيين، خلال اجتماع مجموعة السبع يوم الأربعاء، إن الدول والمستثمرين الآخرين سيكون بإمكانهم المشاركة في إعادة بناء الاقتصاد الإيراني، لكنه أعرب عن شكوكه في إقبال المستثمرين الأجانب على إيران خلال الفترة القريبة المقبلة.
وأضاف: «إذا فعلوا ذلك، فلا بأس. لكنني أعتقد أنهم لن يفعلوا ذلك لبعض الوقت، إلى أن تتضح طبيعة السلوك الإيراني».
ماذا يعني الاتفاق للاقتصاد الإيراني؟
يعتمد هذا السيناريو بأكمله على استمرار الاتفاق وتماسكه، وهو أمر لا توجد ضمانات مؤكدة بشأنه. لكن الإطار الاقتصادي العام للاتفاق قد يضع إيران في وضع مالي أفضل كثيرًا مما كانت عليه قبل الحرب.
وبالفعل، تحسن سعر صرف العملة الإيرانية في السوق السوداء بصورة طفيفة، في أول إشارة إلى انعكاس الأخبار الإيجابية المحتملة على الاقتصاد، وفقًا لمزراعي.
وقد يساهم تدفق الأموال وعودة صادرات النفط في تخفيف الضغوط الناجمة عن التضخم المرتفع في إيران، الذي تجاوز متوسطه 50% خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، مسجلًا أعلى مستوياته في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، بينما تخطى تضخم أسعار الغذاء حاجز 100%.
ويمر نحو 90% من التجارة الإيرانية عبر الخليج العربي، وفقًا لمزراعي. ولذلك يمكن للاستثمارات الأجنبية وعودة حركة التجارة أن تساهما بصورة كبيرة في إنعاش النشاط الاقتصادي الذي استنزفه الحصار الأمريكي للممرات البحرية.
وقد تستخدم إيران هذه الأموال أيضًا في إعادة خدمات الإنترنت، بعدما دفعت الانقطاعات بعض الشركات إلى تقليص أنشطتها وتسريح عدد من موظفيها، كما يمكن لطهران توجيه جزء من الموارد الجديدة إلى تحديث بنيتها التحتية النفطية المتقادمة، بما يساعدها على تعزيز قدرتها التنافسية في أسواق الطاقة العالمية.
لكن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطًا بقدرة السلطات الإيرانية على إدارة الأموال بكفاءة، وإجراء إصلاحات حقيقية في بيئة اقتصادية تعاني مشكلات هيكليةً مزمنةً.
وهكذا، قد يحصل الاقتصاد الإيراني على فرصة استثنائية للتعافي بعد الحرب، لكن الاستفادة منها ستتوقف على استمرار الاتفاق، وعودة المستثمرين، وطريقة إدارة العائدات والأصول المجمدة.














