حذر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد العالمي يواجه خطر الانزلاق نحو ركود جديد، في حال استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة، وأكد في تقريره الأخير حول آفاق الاقتصاد العالمي أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يدفع النمو العالمي إلى مستويات مقلقة خلال السنوات المقبلة.
وأوضح التقرير أنه في أسوأ السيناريوهات، حيث تبقى أسعار النفط والغاز والغذاء عند مستويات مرتفعة خلال العام الحالي والمقبل، قد ينخفض النمو العالمي إلى أقل من 2% بحلول عام 2026، وهو مستوى يقترب من حالات الركود العالمي التي لم تحدث إلا في مناسبات محدودة منذ عام 1980.
سيناريوهات متشائمة تعيد العالم إلى أزمات تاريخية
أشار التقرير إلى أن هذا التباطؤ الحاد يعيد إلى الأذهان أزمات كبرى مثل تداعيات جائحة كوفيد-19، التي كانت آخر مرة شهد فيها الاقتصاد العالمي انكماشًا واسع النطاق، ولفت إلى أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الأسواق العالمية.
كما حذر كبير الاقتصاديين في الصندوق، بيير أوليفييه غورينشاس، من أن الصراع المطول سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وزيادة البطالة، إضافة إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي في عدد من الدول، خاصة تلك التي تعتمد على الواردات.
أسعار الطاقة تقود موجة التضخم العالمية
شهدت أسواق الطاقة ارتفاعًا حادًا منذ اندلاع الحرب، خاصة بعد تعطّل حركة الشحن في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط عالميًا، وقد أدت هذه التطورات إلى قفزات في أسعار النفط، التي لامست مستويات قريبة من 120 دولارًا للبرميل قبل أن تتراجع لاحقًا إلى نحو 95 دولارًا.
ويتوقع الصندوق أنه في حال استمرار الضغوط، قد يصل متوسط سعر النفط إلى 110 دولارات هذا العام، ويرتفع إلى 125 دولارًا بحلول 2027، ما سيدفع معدلات التضخم العالمية إلى نحو 6% العام المقبل، ويجبر البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة.
خلاف في الرؤية بين الاقتصاد والأمن
في المقابل، دافع سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، عن السياسات الحالية، معتبرًا أن بعض الألم الاقتصادي يُعد ثمنًا مقبولًا لضمان الأمن العالمي ومنع تهديدات نووية محتملة.
كما أكد أن المخاطر الأمنية بعيدة المدى تفوق التأثيرات الاقتصادية قصيرة الأجل، في وقت يرى فيه خبراء أن هذا التوجه قد يزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي.
تأثيرات متفاوتة على الاقتصادات العالمية
أوضح التقرير أن استمرار الحرب سيؤثر بشكل متفاوت على الدول، حيث من المتوقع أن تكون المملكة المتحدة من أكثر الاقتصادات المتقدمة تضررًا، مع خفض توقعات النمو إلى 0.8% هذا العام.
كما يُتوقع أن تشهد الدول المصدرة للطاقة في الخليج تباطؤًا أو انكماشًا مؤقتًا، بينما يُرجح أن ينكمش اقتصاد إيران بنسبة 6.1%، مع إمكانية التعافي لاحقًا إذا انتهى النزاع.
ضربات للبنية التحتية وتهديد لإمدادات الطاقة
امتدت تداعيات الحرب إلى استهداف منشآت حيوية، من بينها مصفاة رأس لفان في قطر، والتي تُعد أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما أثر على قدرتها التشغيلية.
ويتوقع الصندوق أن ينكمش اقتصاد قطر بنسبة 8.6% في 2026 قبل أن يتعافى لاحقًا، فيما سيتأثر اقتصاد العراق أيضًا بتباطؤ ملحوظ نتيجة الاضطرابات الإقليمية.
مرونة متفاوتة للدول وفق البنية التحتية
أشار التقرير إلى أن قدرة الدول على مواجهة الصدمة تعتمد على عوامل عدة، منها تنوع مصادر الطاقة والبنية التحتية، فعلى سبيل المثال، تمتلك السعودية خط أنابيب استراتيجي يربط الخليج بالبحر الأحمر، ما يمنحها مرونة أكبر في تصدير النفط رغم التحديات.
مكاسب محدودة لبعض الاقتصادات
في المقابل، قد تستفيد بعض الدول من ارتفاع أسعار الطاقة، مثل روسيا، التي يُتوقع أن يسجل اقتصادها نموًا يفوق التقديرات السابقة، مدفوعًا بزيادة عائدات النفط.
لكن هذا الوضع يثير مخاوف أوروبية، حيث حذر فالديس دومبروفسكيس من أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يعزز من قدرات موسكو المالية، داعيًا إلى عدم تخفيف العقوبات.
آفاق الاقتصاد العالمي بين التعافي والتدهور
رغم هذه المخاطر، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن إنهاء النزاع خلال الأسابيع المقبلة قد يحد من التداعيات، مع توقع نمو عالمي عند 3.1% في 2026، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 3.3%.
إلا أن استمرار الصراع لفترة أطول قد يغير هذه التوقعات بشكل جذري، ويدفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة من عدم الاستقرار، في ظل ترابط الأسواق واعتمادها الكبير على استقرار إمدادات الطاقة.
اقرأ أيضًا:
إغلاق مضيق هرمز بين المكاسب والخسائر في سوق النفط














