مع مرور أكثر من 30 يوماً على اندلاع الحرب في إيران، بدأت تداعيات الصراع تتسع لتطال كل زاوية من الأسواق العالمية. فالنقص المتزايد في النفط الخام لم يعد مجرد مشكلة في محطات الوقود، بل أصبح يُهدد سلاسل التوريد بأكملها.
تأثيرات متزايدة للحرب الإيرانية
ووفقًا لتقرير شبكة " CNN"، أدى النزاع في الشرق الأوسط إلى تعثر حركة النفط والغاز عبر مضيق هرمز، مما تسبب في تراجع الإمدادات العالمية بنحو الخمس. ولم يقتصر أثر هذه الأزمة على زيادة أسعار الوقود فحسب، بل امتد ليشمل ندرة المواد البتروكيماوية الأساسية لصناعة منتجات يومية مثل الأحذية، الملابس، والأكياس البلاستيكية.
وتصاعدت الضغوط لتشمل كافة قطاعات السوق الاستهلاكية، مع ارتفاع أسعار البلاستيك والمطاط والبوليستر. ويظهر تأثير هذه الأزمة بشكل أكثر وضوحاً في آسيا، التي تعتمد على واردات النفط والمواد الخام، وتمثل أكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي.
أدى الذعر بين المستهلكين في كوريا الجنوبية، إلى تهافت الناس على شراء أكياس القمامة، فيما حثّت الحكومة منظمي الفعاليات على تقليل استخدام المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد. وفي تايوان، افتُتح خط ساخن لمساعدة المصانع التي نفدت لديها المواد البلاستيكية، بينما أعلن مزارعو الأرز المحليون أنهم قد يرفعون الأسعار بسبب نقص الأكياس المفرغة من الهواء اللازمة للتخزين.
أما في اليابان، فقد أطلقت أزمة النفط إنذارات حول إمكانية تأثر مرضى الفشل الكلوي المزمن، إذ يهدد نقص الأنابيب الطبية البلاستيكية المستخدمة في غسيل الكلى توفير العلاج. وفي ماليزيا، حذر مصنعو القفازات الطبية من أن نقص أحد مشتقات البترول الأساسية لصناعة مطاط اللاتكس قد يهدد الإمدادات العالمية.
ويصف دان مارتن، الرئيس المشارك لقسم استخبارات الأعمال في شركة ديزان شيرا وشركاه، الوضع بأنه "انتشار سريع يشمل كل شيء: من المعكرونة ورقائق البطاطس إلى الألعاب ومستحضرات التجميل"، مضيفًا أن الحصول على الأغطية البلاستيكية والصناديق وأكياس الوجبات الخفيفة والحاويات أصبح أكثر صعوبة.
وأوضح مارتن أن مشتقات البترول تُستخدم أيضًا في تصنيع المواد اللاصقة للأحذية والأثاث، ومواد التشحيم الصناعية للآلات، والمذيبات للدهانات وعمليات التنظيف، مؤكدًا أن "الاضطراب في قطاع النفط والشحن يتحوّل بسرعة إلى أزمة في البتروكيماويات والسلع الاستهلاكية"
تتسبب الاضطرابات في أسواق السلع الأساسية وقطاع التصنيع في تصاعد معدلات التضخم على المستوى العالمي، ما يضعف النمو الاقتصادي ويثقل كاهل المستهلكين.
كما تؤدي الزيادة في تكاليف الوقود إلى تعطيل حركة السفر والخدمات اللوجستية، في حين أن نقص الإمدادات من مواد حيوية أخرى قادمة من الشرق الأوسط، مثل الأسمدة والهيليوم، قد يرفع أسعار المواد الغذائية والإلكترونيات بشكل ملحوظ
أزمة النافثا تضغط على الأسعار
مع استمرار الحرب، بدأت الدول تتجه لإطلاق كميات غير مسبوقة من النفط من مخزوناتها الاحتياطية، في محاولة للتخفيف من آثار الأزمة. لكن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في النافثا، منتج ثانوي للبترول ومادة خام أساسية للمواد البلاستيكية والاصطناعية، الذي لا توجد له بدائل والاحتياطيات منه محدودة.
اضطرت بعض شركات البتروكيماويات في آسيا، التي تعتمد على واردات النافثا من الشرق الأوسط لأكثر من نصف احتياجاتها، إلى خفض الإنتاج أو إعلان حالة القوة القاهرة، وهي الظروف غير المتوقعة التي تمنع الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
في كوريا الجنوبية، استغلت الحكومة تعليق العقوبات الأمريكية على بعض المنتجات النفطية الروسية لشراء أول شحنة من النافثا من موسكو منذ اندلاع الحرب، فيما فرضت قيوداً على تصديرها لضمان تلبية احتياجات السوق المحلية.
ويشير دان مارتن من شركة ديزان شيرا وشركاه إلى أن ندرة النافثا ترفع تكاليف المدخلات للمصنعين، خصوصاً من ينتجون سلعاً ذات مواصفات دقيقة مثل أشباه الموصلات وقطع غيار السيارات والتغليف الطبي والغذائي.
مع سعي المنتجين لتأمين المواد الخام، تتصاعد أسعار البلاستيك والسلع المرتبطة به. فقد ارتفعت أسعار راتنجات البلاستيك في آسيا بنسبة تصل إلى 59% منذ أواخر فبراير، وفق منصة ICIS المتخصصة بأسواق السلع. وأعلنت إحدى كبرى شركات بيع عبوات البلاستيك في تايلاند رفع أسعار أكياس السيلوفان الشفافة بنسبة 10%، فيما تضاعفت أسعار أغطية زجاجات المياه في الهند أربع مرات منذ بداية الحرب.
كما حذرت شارين جوه، كبيرة محللي البتروكيماويات في ICIS، من أن السلع الاستهلاكية التي تعتمد على التغليف البلاستيكي، مثل مستحضرات التجميل، أكثر عرضة للنقص، مشيرة إلى أن المخزونات الحالية قد تنفد قريباً جداً، ما سيزيد الضغوط على الأسواق العالمية
الصدمة الآسيوية تنتقل للعالم
مع تصاعد أزمة الوقود، أصبحت آسيا أول منطقة تشعر بتداعيات نقص الإمدادات، لكن المحللين يحذرون من انتقال الصدمة غرباً إذا تعذّر إنتاج النفط والموارد الأخرى في الشرق الأوسط أو شحنها.
تزود المنطقة العالم بنحو 17% من النافثا و30% من راتنج البلاستيك، إضافة إلى 45% من الكبريت المستخدم في صناعة الأسمدة، و33% من الهيليوم لأشباه الموصلات والرعاية الصحية والفضاء، و22% من اليوريا والأمونيا اللازمة للمحاصيل الزراعية.
ويشهد المزارعون الأمريكيون ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف الأسمدة، إذ ارتفع سعر اليوريا المستوردة بنحو الثلث منذ اندلاع الحرب، فيما تعاني الهند من اضطرابات في تصنيع الواقي الذكري نتيجة نقص التغليف ومواد خام بتروكيماوية مثل الأمونيا وزيت السيليكون. ويشير محللو جي بي مورغان إلى أن "الصدمة تتكشف بشكل متسلسل كما حدث أثناء جائحة كوفيد، مع انتقالها غرباً تدريجياً".
في الأسابيع الأخيرة، ركزت الدول الآسيوية على احتواء ارتفاع الأسعار عبر الإفراج عن مخزونات النفط، وتحديد سقف للوقود، وتقليص ساعات العمل لتوفير الطاقة. ومع ذلك، يرى المحللون أن قيود الإمداد ستزداد حدة في أبريل، مع نفاد آخر شحنات النفط المرسلة قبل الحرب، وتحول التحدي من سعر النفط إلى ندرة حقيقية
ويضطر بعض المنتجين لتأجيل شراء المواد الخام على أمل انخفاض الأسعار مستقبلاً، فيما يكافح صانعو البوليستر في الصين لتلبية الطلبات الحالية وسط ارتفاع سعر رقائق البوليستر بنحو 50% منذ إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أثّر على الصناعات المنزلية والنسيجية والخيوط.
وتسعى شركات التغليف في إندونيسيا إلى تقليل سماكة البلاستيك أو اللجوء إلى بدائل مثل الورق والزجاج والألومنيوم أو البلاستيك المعاد تدويره، رغم تكلفتها العالية وتأثيرها على خطوط الإنتاج ومعايير السلامة. ويشير ستيفن مور من MLT Analytics إلى أن العودة إلى طبيعة الأمور بعد فتح مضيق هرمز ستستغرق عدة أشهر قبل عودة قطاع البلاستيك في آسيا إلى مستويات طبيعية.
اقرأ أيضًا :
شبح الندرة يطارد العالم.. تداعيات حرب إيران تتجاوز أسعار الطاقة
أسواق النفط تتوقف عن تصديق وعود ترامب بقرب انتهاء حرب إيران
توقعات صادمة لأسعار النفط مع استمرار إغلاق مضيق هرمز














