سجلت أسعار الذهب والفضة يومًا آخر من الخسائر المتتالية في التداولات العالمية، مما دفع قطاعًا واسعًا من المستثمرين والمراقبين لطرح تساؤلات حتمية حول أسباب هذا التراجع الملحوظ، وما إذا كانت المعادن الثمينة ستستمر في هذا المسار الهبوطي أم ستعود للارتفاع مجددًا.
ويأتي هذا الانخفاض المتزامن في الأسواق تزامنًا مع تحرك عوائد سندات الخزانة الأمريكية نحو الارتفاع، وتعديل المتداولين لتوقعاتهم المستقبلية بشأن أسعار الفائدة الأمريكية، مما أثر بقوة على طلب المستثمرين في الأسواق المالية العالمية على أصول الملاذ الآمن التي لا تدر عائداً ثابتاً من الفوائد الدورية.
تحليل لحركة أسعار الذهب والفضة
تراجعت أسعار الذهب الفورية للجلسة الثالثة على التوالي، حيث انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.2% ليصل إلى 4,319.98 دولارًا للأوقية، مقتربًا من أدنى مستوى له في أكثر من شهرين والذي كان قد سجله خلال جلسات التداول السابقة.
وتحركت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة تسليم أغسطس نحو الانخفاض بنسبة 0.4% لتستقر عند 4,344.30 دولارًا للأوقية، وكان السبب المباشر وراء هذا الهبوط هو قفزة عوائد سندات الخزانة الأمريكية القياسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى لها في أسبوعين.
لذلك عندما ترتفع عوائد السندات، يصبح الاحتفاظ بالذهب أقل جاذبية لأن الذهب لا يوفر فوائد، ويفضل المستثمرون الأصول التي تدر عوائد دورية، مما يخلق ضغطًا بيعيًا امتد ليطال شريحة المعادن الثمينة الأخرى.
وانخفضت الفضة الفورية بنسبة 0.6% لتصل إلى 67.84 دولارًا للأوقية، كما تراجع البلاتين بنسبة 0.2% إلى 1,750.33 دولارًا للأوقية، في حين ارتفع البلاديوم بنسبة 0.6% ليسجل 1,211.34 دولارًا للأوقية.
أسباب تراجع أسعار الذهب
ويعود هذا الانخفاض السعري الحالي إلى عوامل متداخلة؛ لعل أبرزها زيادة عوائد سندات الخزانة التي ترفع من تكلفة الفرصة البديلة لامتلاك المعادن الثمينة، حيث يمكن للمستثمرين تحقيق عوائد مضمونة من السندات الحكومية الأمريكية، مما يجعل الأصول الصامتة التي لا تدر عائداً دوريًا أقل جاذبية للمحافظ الاستثمارية الكبرى.
ويتعلق العامل الثاني بالتوقعات المحيطة بالسياسة النقدية الأمريكية؛ إذ أشار بنك "غولدمان ساكس" إلى أنه يتوقع أن يبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير، وبدأت توقعات السوق تتجه نحو التشديد النقدي.
ووفقاً لأداة "CME FedWatch"، يسعر المتداولون الآن احتمالية تتجاوز 70% لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بحلول ديسمبر المقبل، مما يخلق رياحًا معاكسة وضغوطًا مستمرة على حركة أسعار الذهب والفضة لأن تكاليف الاقتراض تزداد وينتقل المستثمرون نحو الأصول المدرة للفائدة.
يضاف إلى ذلك إعلان صندوق "SPDR Gold Trust" — أكبر صندوق مؤشرات متداول مدعوم بالذهب في العالم — أن حيازاته انخفضت بنسبة 0.5% لتصل إلى 929.62 طنًا، ويشير تراجع حيازات الصناديق الكبرى عادةً إلى ضعف اهتمام الصناديق الاستثمارية والمستثمرين بالذهب.
المعادلات الجيوسياسية وضغوط السوق العالمية
على الرغم من تراجع الأسعار، لا تزال التطورات الجيوسياسية تستقطب الاهتمام، حيث أعلنت إيران وإسرائيل يوم الاثنين الماضي توقف الهجمات المتبادلة بينهما استجابة لنداء من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ومع ذلك، حذرت طهران من أن الأعمال العدائية قد تستأنف إذا واصلت إسرائيل ضرباتها ضد حزب الله في لبنان.
وغالبًا ما تدعم هذه التوترات الجيوسياسية الطلب التحوطي على المعادن، لكن هدوء الصدام المباشر سحب البساط من تحت أقدام الملاذات الآمنة، ليطغى تأثير عوائد السندات على المخاوف السياسية الفورية.
وتتجه أسعار الذهب والفضة نحو تسجيل مستويات متدنية جديدة خلال تداولات هذا الأسبوع بانتظار بيانات الإنتاج الصناعي في ألمانيا ومبيعات المنازل القائمة في الولايات المتحدة.
توقعات المحللين لأسعار الذهب
يظل الاتجاه المستقبلي للمعادن الثمينة محاطاً بعدم اليقين، حيث يعتقد محللون أن أسعار الفائدة المرتفعة قد تستمر في الضغط على الأسواق؛ وهو ما دفع بنك "سيتي" مؤخرًا لخفض مستهدفه السعري للذهب في المدى القريب من 4,300 دولار للأوقية إلى 4,000 دولار للأوقية فقط.
وأرجع البنك ذلك إلى التوقعات ببقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة، مشيرًا إلى أن الحفاظ على المكاسب السعرية السابقة سيكون صعبًا في غياب طلب مادي وقوي على المعدن الأصفر؛ مما يشير إلى أن حدوث المزيد من الضعف السعري أمر ممكن إذا ظلت الفائدة مرتفعة وتراجع طلب الصناديق.
لكن أي تصاعد مفاجئ في المخاطر الجيوسياسية بالشرق الأوسط قد يقلب الآية ويدعم حركة أسعار الذهب والفضة مجددًا؛ لاسيما وأن الفضة تتأثر بقوة بالنمو الاقتصادي ومعدلات الطلب الصناعي المتزايدة في قطاعات التكنولوجيا والشبكات الكهربائية.














