شهدت منطقة الشرق الأوسط مؤخرًا تحولات اقتصادية بارزة فرضتها ظروف الحرب الإيرانية، حيث برزت المملكة العربية السعودية كوجهة جاذبة للاستثمارات الخليجية ومحط أنظار رواد الأعمال، بحسب تقرير نشرته وكالة "رويترز".
وفي هذا السياق، توجهت رائدة الأعمال في مجال تقنية الأغذية، سارة أميني، إلى العاصمة الرياض لرصد قطاعات الإنفاق المستمرة، حيث لفت انتباهها نشاط قطاع الضيافة والمطاعم وامتلائه بالرواد، إلى جانب استمرار الشركات في خطط التوسع. وهو ما يتناقض مع الأوضاع في اقتصادات خليجية أخرى تأثرت فيها هذه القطاعات الحيوية جراء وقوعها في مرمى النيران الإيرانية، وفقًا لوكالة رويترز.
مؤشرات النمو الاقتصادي للمملكة
ترى أميني، التي تدير من دبي منصة للذكاء الاصطناعي لرقمنة عمليات توزيع الأغذية وخفض تكاليفها، أن تفاؤل المستثمرين يعكس نجاح المملكة في مواجهة التغييرات الناجمة عن الحرب بكفاءة أعلى من معظم دول المنطقة. وقد ساهم في تعزيز هذه المرونة وجود قاعدة مستهلكين محلية قوية، إلى جانب نجاح الدولة في إعادة توجيه النفط الخام والخدمات اللوجستية نحو الموانئ الواقعة على البحر الأحمر لتفادي مضيق هرمز.
وأظهر مسح حديث توسع القطاع الخاص غير النفطي في المملكة بأسرع وتيرة له منذ 3 أشهر خلال شهر مايو، مدفوعًا بتحسن الطلب المحلي واستقرار سلاسل الإمداد، على الرغم من تحفظ تفاؤل الشركات بسبب الصراع المستمر.
وتعليقًا على هذه النتائج، أوضح نايف الغيث، كبير الاقتصاديين في بنك الرياض، أن هذا التحسن يعود بشكل أساسي إلى قوة الإنتاج والطلبيات الجديدة، فضلاً عن استئناف العمل في مشاريع كانت مؤجلة سابقًا.
وعلى صعيد قطاع الاستثمار المالي أشار وليد حايك، المدير التنفيذي لشركة "فاند روك مانكو السعودية" المستشارة لصناديق الاستثمار، إلى رصد تسارع واضح في الطلب على تأسيس الصناديق الاستثمارية في المملكة، مصحوبًا بزيادة في الاستفسارات من أصحاب الثروات المحلية. مبينًا أن العديد من الأفراد يعيدون توطين رؤوس أموالهم من دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بحثًا عن الملاذ الآمن.
وتتوازى هذه المتغيرات الإقليمية مع تحول محوري في استراتيجية التنويع الاقتصادي للمملكة المنبثقة عن مشروع "رؤية 2030" الطموح الذي أطلقه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتطوير المجتمع وبناء قطاعات صناعية جديدة.
فبينما ركزت الرؤية عند إطلاقها قبل عقد من الزمن على مشاريع عملاقة ذات تكلفة مالية ضخمة، مثل مدينة "ذا لاين" الذكية الممتدة على طول 170 كم ومنتجع "تروجينا" للتزلج الجبلي، جاءت الاستراتيجية الجديدة للفترة 2026-2030 الصادرة في أبريل الماضي لتقوم بتقليص حجم تلك المشروعات بشكل كبير. مع تركيز الجهود والاستثمارات على القطاعات ذات العوائد المضمونة مثل السياحة والصناعة والذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية، بتمويل رئيسي من صندوق الاستثمارات العامة، الصندوق السيادي للمملكة.
ويرى جاستن ألكسندر، محلل شؤون الخليج في "غلوبال سورس بارتنرز"، أن ظروف الحرب تزامنت مع هذه اللحظة المفصلية التي كان يسعى فيها الصندوق بالفعل لإعادة معايرة استراتيجيته الاستثمارية وتحديد أولويات مشاريعه.
وبدأت ثمار هذا التحول الاستراتيجي تظهر جليًا على الشركات المحلية؛ إذ أكد عبد الرحمن النملة، الشريك المؤسس لمنصة "سرداب" التقنية المعنية بتوفير حلول التخزين والنقل للشركات الصغيرة، أن الخطط الموضوعة مسبقًا في رؤية 2030 لدعم قطاع الخدمات اللوجستية قد تسارعت وتيرتها بفعل الأحداث الراهنة.
وأضاف أنه منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير، تتلقى شركته طلبات يومية مكثفة من عملاء يرغبون في تخليص الحاويات من ميناء جدة وموانئ البحر الأحمر الأخرى لشحن البضائع عبر الخليج. وهي عملية سهلتها مبادرة سعودية حكومية مخصصة لمساعدة وتسهيل إعادة توجيه الشحنات الخليجية عبر موانئ البحر الأحمر التابعة لها، ما دفع شركته للعمل على زيادة طاقمها الوظيفي لمواكبة هذا النمو المتسارع في الأعمال.
انتعاش السياحة الداخلية في السعودية
في القطاع السياحي، شهدت المنتجعات الواقعة على البحر الأحمر إقبالاً متزايدًا، مدفوعاً برغبة المقيمين داخل المملكة في قضاء عطلات أسهل وأكثر أمانًا.
وسجل متوسط إشغال الفنادق في المملكة 66.3% خلال الفترة من يناير إلى مارس، بزيادة تقارب 3 نقاط مئوية على أساس سنوي. كما كشف تقرير لوزارة السياحة السعودية عن ارتفاع إجمالي أعداد السياح الوافدين والمحليين بنسبة 8% في الربع الأول من عام 2026 ليصل إلى 37.2 مليون سائح.
ويشير المحللون الاقتصاديون إلى أن ارتفاع أسعار النفط يساهم بفعالية في تعويض تراجع كميات التصدير، ما يبشر بتحسن الآفاق الاقتصادية المستقبلية للمملكة؛ حيث يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً اقتصادياً للسعودية بنسبة 3.1% هذا العام، متفوقًا بوضوح على اقتصادات الدول المجاورة مثل قطر والبحرين والكويت المتوقع انكماشها.
وتؤكد كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري هذه الرؤية بالإشارة إلى أن مستويات الأسعار المرتفعة للنفط ستكون أكثر من كافية لتعويض النقص في أحجام الإمدادات السعودية الناتج عن الحصار الإيراني لمضيق هرمز.














