تواجه النظم الغذائية العالمية أزمة هيكلية متصاعدة نتيجة الاعتماد المفرط على المنصات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي في إدارة سلاسل الإمداد واللوجستيات، ففي حين يمنح المظهر العام لرفوف متاجر البقالة الممتلئة بالمنتجات الطازجة والمبردة انطباعًا خادعًا بسلامة العمليات التشغيلية، فإنه يخفي في واقعه ضعفًا عميقًا في آليات حركة الغذاء الفعلية.
يتحرك الطعام عبر سلاسل التوريد المعاصرة بشرط واحد يتمثل في التحقق منه واعتماده بواسطة قواعد البيانات وأدوات الموافقة الآلية، وبسبب هذا الاعتماد المطلق، تعجز الشركات عن الإفراج عن أي شحنة أو تأمينها أو بيعها أو توزيعها قانونيًا في حال فشل النظام الرقمي في التعرف عليها، مما يؤدي إلى تحويل الغذاء إلى مواد غير مرئية للمنظومة التجارية لتُترك عرضة للتلف رغم توفرها الفعلي في المستودعات.
ويعود السبب وراء هذه الهشاشة إلى اختيار الإدارات التجارية التوسع في الأتمتة والاستغناء عن الكوادر البشرية بهدف تقليص التكاليف وتوفير الوقت، وهو توجه ينقل السلطة الفعلية من التقدير البشري إلى قواعد البرمجيات الصماء.
وبناء على ذلك، تصبح قرارات تخصيص الغذاء وحركته خاضعة لأنظمة غير قابلة للتفسير أو المراجعة اليدوية المباشرة.
وتزامنًا مع هذا التحول، يتم تصنيف الإجراءات اليدوية الاحتياطية على أنها مكلفة لتُترك تدريجيًا باسم الكفاءة، مما يفقد الموظفين المتبقين التدريب اللازم لتجاوز الأنظمة عند الطوارئ، وتتلاشى معهم المهارات المطلوبة للتدخل بشكل تام.
ويتفاقم هذا الضعف التنظيمي مع استمرار النقص الحاد في القوى العاملة والمهارات المتخصصة في قطاعات النقل والتخزين وفحص الصحة العامة، الأمر الذي يحد من القدرة البشرية على إعادة تشغيل تدفقات العمل حتى بعد تعافي الأنظمة الرقمية.
حوادث سابقة واختبارات إجهاد فعلية
أثبتت حوادث سابقة خطورة هذا الاعتماد التكنولوجي المفرط على استقرار الأسواق، حيث استهدفت هجمات سيبرانية شبكات توزيع الأغذية ومتاجر بقالة كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، وأسفرت عن تعطل أنظمة الطلب عبر الإنترنت وتأخير عمليات التسليم رغم توفر المخزون المادي.
وفي سياق متصل، شهد عام 2021 هجومًا ببرمجيات الفدية استهدف شركة معالجة اللحوم «جيه بي إس» وأدى إلى توقف مرافقها عن العمل بالكامل رغم وجود الحيوانات والموظفين والبنية التحتية الجاهزة.
ورغم تمكن بعض المزارعين الأستراليين من تجاوز الأنظمة يدويًا في تلك الحادثة، واجهت مناطق أخرى مشاكل واسعة النطاق لغياب خطط الطوارئ.
وكما أظهرت هذه التجارب، ينتشر الخلل التقني بسرعة كبيرة ليمثل اختبار إجهاد فعلي للقطاع بأكمله، حيث تتجمد أنظمة التصريح الرقمي وتفشل رموز الإفراج في العمل، بينما تنتظر الشاحنات المحملة بالغذاء دون أي جدوى بسبب عدم صدور الموافقات الرقمية للحركة.
ومع استمرار العطل، تبدأ السجلات الرقمية والواقع المادي في التباعد التدريجي خلال أيام معدودة استنادًا إلى الحوادث السابقة، وتفقد أنظمة الجرد حينها قدرتها على مطابقة المخزون الفعلي المعروض على الرفوف.
وفي مثل هذه الحالات، يتطلب الوضع الميداني تدخلًا يدويًا فوريًا بعد مرور حوالي 72 ساعة من توقف النظام، غير أن هذه الضرورة تصطدم باختفاء الإجراءات الورقية. ويجب التنويه هنا إلى أن المادة الأصلية تشير إلى ترك شحنات من الغذاء لتتعفن نتيجة هذه الأعطال التكنولوجية دون تقديم إحصائيات أو أرقام دقيقة توضح حجم الأطنان المهدرة فعليًا في المستودعات.
دور الذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات
على الرغم من هذه المخاطر، يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرات حقيقية لتعزيز الأمن الغذائي إذا تمت إدارته بشكل سليم، إذ تساهم الزراعة الدقيقة وأنظمة الإنذار المبكر في تقليل الخسائر وتحسين الغلة الزراعية عبر استخدام البيانات لتحديد أوقات الزراعة والري. وتأكيدًا على هذا الانتشار، تظهر المراجعات الرسمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي عبر مراحل الإنتاج والمعالجة والتوزيع أن هذه الأدوات أصبحت مدمجة بقوة في معظم مراحل النظام الغذائي في المملكة المتحدة.
وفي هذا الصدد، يؤكد باحثون في مجال الأمن الغذائي عبر مقال نُشر في منصة «ذا كونفرسيشن» أن المرونة تعتمد على حوكمة البيانات واتخاذ القرار في النظم الغذائية وليس فقط على تدفقات التجارة التقليدية، وهو أمر بالغ الأهمية لدول تعتمد بكثافة على الواردات والخدمات اللوجستية المعقدة. ولضمان حماية النظم الغذائية، تتطلب المرحلة الحالية إبقاء العنصر البشري ضمن حلقة العمل التشغيلية وتوفير تدريبات منتظمة للتعامل مع الأعطال التقنية وتجاوزها.
وعلاوة على ذلك، يجب أن تتمتع الخوارزميات المستخدمة في التوزيع والخدمات اللوجستية بشفافية تامة تسمح بتدقيقها المستمر من قبل الجهات المختصة. وتفرض قواعد السلامة العامة ألا تتفوق السرية التجارية لشركات البرمجيات على الأمن الغذائي للمجتمعات، مع ضرورة احتفاظ المزارعين بالسيطرة على بياناتهم ومعرفتهم.
وفي النهاية، يتمحور التحدي المستقبلي حول القدرة على بناء نظام غذائي يستطيع الصمود والاستمرار عند انهيار التكنولوجيا، وتجاوز حتمية الفشل الرقمي الذي أثبت قدرته على حجب مستودعات كاملة من الغذاء عن الأسواق.














