صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خطابه السياسي بشكل ممنهج، مصراً على تكرار ادعاءاته القائلة بأنه قد تم تزوير الانتخابات الرئاسية لعام 2020 والتلاعب بها بشكل كامل لسرقة الفوز منه.
وكشف رصد إحصائي دقيق ومطول نشرته وكالة رويترز، أن ترامب وظّف قضية تزوير الانتخابات في تصريحاته وخطاباته العامه والخاصة 107 مرات على الأقل خلال الأشهر الستة الماضية فقط.
ويأتي هذا الإصرار الرقمي والخطابي في إطار تحرك سياسي حثيث ومدروس يسبق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، والتي ستلعب الدور الحاسم في إعادة تحديد ميزان القوى التشريعية والسياسية في البلاد برمتها.
ولم يتوقف الرئيس الأمريكي عند حدود إثارة هذا الملف المثير للجدل في تجمعاته الحزبية التقليدية وسط مناصري الحزب الجمهوري، أو عبر منشوراته اليومية على منصته الخاصة للتواصل الاجتماعي "تروث سوشيال"، بل تعمد وبشكل مفاجئ ومكرر إقحام مسألة تزوير الانتخابات في مناسبات وفعاليات رسمية وبروتوكولية متنوعة تُعقد بصفة دورية داخل أروقة البيت الأبيض.
وقد شمل هذا الرصد الاستقصائي قيام ترامب بالتطرق للملف والحديث عنه بمرارة خلال خطاباته الرسمية أثناء استقبال قادة ومسؤولين دوليين، وخلال مراسم تكريم الفرق الرياضية والشبابية الوطنية، وحتى في الفعاليات والمناسبات المرتبطة بالأعياد القومية والرسمية للدولة.
ووصل الأمر إلى تصريحاته الارتجالية الأخيرة الموجهة للصحفيين ووسائل الإعلام العالمية قبيل صعوده على متن الطائرة الرئاسية (Air Force One)، والتي شكك فيها علناً وبقوة في نزاهة النتائج وصحة فرز الأصوات في ولايات أمريكية كاملة وكبرى، ضارباً المثل بولاية كاليفورنيا التي خسرها بفارق كبير.
أسباب تمسّك ترامب بسردية تزوير الانتخابات
يرى محللون سياسيون بارزون ومصادر مطلعة من داخل الإدارة الأمريكية أن هذا التمسك الصارم واليومي بملف تزوير الانتخابات لا يمكن اعتباره مجرد رغبة شخصية في استدعاء الماضي أو البكاء على الأطلال، بل هو استراتيجية سياسية وثيقة ومدروسة بدقة بالغة من قِبل الفريق الاستشاري للرئيس.
وتستهدف هذه الخطة الممنهجة شحن وتعبئة وتثوير قاعدته الانتخابية والشعبية الصلبة، وضمان بقاء متطوعي الحزب في حالة تأهب قصوى، إلى جانب الحفاظ على تماسك وهيكل الحزب الجمهوري خلف رؤية الرئيس وأجندته المستقبلية.
وعلاوة على ذلك، تسعى هذه التحركات المكثفة إلى بناء زخم شعبي وضغط جماهيري قوي يمهد الطريق أمام الحلفاء لتمرير قوانين وتعديلات انتخابية أكثر صرامة وتعقيداً قبل خوض معركة نوفمبر المقبلة. وتأتي في مقدمة هذه القوانين المقترحة فرض شروط مشددة تثبت المواطنة الأمريكية كأمر أساسي للتسجيل في جداول النازلين، مع وضع قيود قانونية وتنظيمية إضافية تحد من عمليات التصويت عبر البريد والتي يرى فيها ترامب ثغرة أساسية.
أزمة تزوير الانتخابات تضرب الحزب الجمهوري
وقد أحدثت هذه التصريحات والاتهامات المستمرة انقساماً صامتاً وحاداً داخل أروقة الحزب الجمهوري وعلى مستوياته النخبوية؛ فبينما يفضل قطاع عريض من الحلفاء والنواب تبني رواية الرئيس بالكامل والدفاع عنها تجنباً للمواجهة المباشرة معه أو خسارة دعمه السياسي، يُبدي قادة جمهوريون بارزون ومسؤولون سابقون تحفظهم الشديد على هذا الخطاب، مشيرين في كواليسهم إلى أن المحاكم الأمريكية بمختلف درجاتها، والهيئات الانتخابية المستقلة، والمراجعات القضائية قد حسمت نزاهة الاقتراع تماماً ودحضت تلك المزاعم منذ وقت طويل.
ورغم هذا الانقسام النخبوي الواضح تحت قبة الكونجرس، تُظهر أحدث استطلاعات الرأي المشتركة التي أجرتها وكالة رويترز بالتعاون مع معهد إبسوس، أن قناعة حدوث تزوير الانتخابات لا تزال تحظى بقبول واسع وتأييد جارف لدى شريحة ضخمة من الناخبين والشارع الجمهوري، الذين يعبرون عن قلقهم المستمر من معايير نزاهة المنظومة الصوتية بالبلاد.
وتضع هذه الديناميكية السياسية المعقدة الإدارة الأمريكية الحالية أمام تحدي الموازنة الصعبة بين إدارة الملفات السياسية والاقتصادية الحرجة محلياً ودولياً، وبين خوض حملة انتخابية شرسة لضمان الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية وتأمين البقاء في السلطة.












