على مدى عقود طويلة متصلة، كان الدعم الأمريكي لإسرائيل أحد أصلب ركائز السياسة الخارجية في العاصمة واشنطن، وموضوعًا حيويًا يحظى بإجماع شبه تام وخارج نطاق المناكفات الحزبية بين الديمقراطيين والجمهوريين، غير أن الحرب الطاحنة التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة، والعمليات العسكرية الواسعة والممتدة في المنطقة، إلى جانب التحالفات السياسية الوثيقة التي بناها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع القيادات والرموز التابعة للحزب الجمهوري، تسببت جميعها في إحداث شرخ عميق وغير مسبوق داخل أروقة الحزب الديمقراطي.
هذه التطورات المتسارعة باتت تهدد بشكل مباشر بتحويل ذلك التحالف والالتزام التاريخي الممتد لعدة أجيال إلى قضية خلافية حادة وجوهرية، حيث يتزايد غضب القواعد الشعبية والناخبين الديمقراطيين من تقديم المساعدات العسكرية غير المشروطة لتل أبيب، ما بدأ ينعكس بوضوح تام على نتائج المنافسات في الانتخابات التمهيدية ويدفع المشرعين إلى إعادة التفكير بجدية في مدى جدوى واستمرارية هذه السياسات التاريخية.
استطلاعات الكونغرس تشهد تحولًا جذريًا
يظهر هذا التحول السياساتي والفكري بشكل ملموس وشديد الوضوح تحت قبة الكونغرس الأمريكي، فقد صوّت مؤخرًا ما يقرب من نصف الأعضاء الديمقراطيين في مجلس النواب لصالح تعديل تشريعي يستهدف قطع وتقييد المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، وهو إجراء تشريعي كان مجرد التفكير فيه أو طرحه للنقاش يعد في السابق أمرًا مستحيلًا ومرفوضًا بأغلبية ساحقة من أعضاء الحزبين.
ومع استقبال إسرائيل لنحو 3.8 مليار دولار سنويًا كمساعدات عسكرية أساسية، فضلًا عن مليارات إضافية كتمويلات طوارئ استثنائية صادقت عليها واشنطن خلال السنوات الأخيرة، اتسعت الفجوة كثيرًا بين القيادات الديمقراطية التقليدية وبين الموجة الجديدة من الأعضاء والمشرعين.
فبينما تحاول القيادات التنفيذية الحفاظ على هذا الدعم لضمان المصالح الاستراتيجية، تضغط قطاعات واسعة داخل الحزب نحو حصر هذه الأسلحة في الجوانب الدفاعية فقط أو إلغائها وإيقافها بالكامل، بالتوازي مع أرقام الاستطلاعات الرسمية التي تؤكد تراجع الشعور العام الإيجابي تجاه إسرائيل، حيث كشفت النتائج عن اعتقاد ثلثي الناخبين الديمقراطيين بأن واشنطن أفرطت وزادت عن الحد في تقديم الدعم المالي والعسكري لحكومة نتنياهو.
وأظهر استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك في يونيو الماضي أن 48% من الناخبين و66% من الديمقراطيين يعتقدون أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل مفرط، مقارنةً بـ16% و20% على التوالي عندما طُرح السؤال لأول مرة في عام 2017.
تأثير دعم إسرائيل على انتخابات الكونغرس التمهيدية
تُشكل المنافسات والسباقات الانتخابية التمهيدية للحزب الديمقراطي في عدة ولايات حاسمة ومحورية، مثل ولايات ميشيغان وكولورادو وفلوريدا ونيويورك، الاختبار الميداني الحقيقي والساحة المباشرة لهذا التغير التحولي الكبير، وفي هذه الولايات الصعبة، يواجه المرشحون التقليديون المدعومون بقوة من قبل لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل مثل منظمة أيباك تحديات انتخابية شرسة أمام مرشحين تقدميين يتبنون مواقف حادة وصريحة ضد استمرار المساعدات العسكرية، ويتهمون العمليات العسكرية الإسرائيلية بارتكاب جرائم حرب وفصل عنصر وإبادة جماعية.
وقد نجح هؤلاء المرشحون التقدميون بالفعل في الإطاحة بشرائح من الوجوه المشرعة المخضرمة والبارزة في الحزب، متكئين في ذلك على قاعدة جماهيرية متحمسة من الشباب والطلاب الذين قادوا الحراكات الاحتجاجية المتصاعدة في الجامعات الأمريكية، ويوضح هذا الحراك الانتخابي كيف تحول الموقف السياسي من الحرب والتصرفات الإسرائيلية إلى معيار أساسي ومحدد رئيسي لقياس مدى قدرة المرشحين الديمقراطيين على كسب ثقة ناخبيهم والاحتفاظ بمقاعدهم؟.
مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب
التداعيات العميقة لهذا الانقسام السياسي الحاد لا تتوقف عند حدود نتائج الانتخابات التمهيدية وصراعاتها الداخلية، بل تمتد لتلقي بظلالها الخاطفة على الانتخابات العامة والسيطرة التشريعية على مجالس الكونغرس، ويرى العديد من الخبراء والمحللين السياسيين أن استمرار هذا الشرخ الجيلي والفكري يضعف التضامن الحزبي الداخلي للديمقراطيين، خاصة مع استغلال المنافسين الجمهوريين لتردد وتشتت الموقف الديمقراطي للترويج لأنفسهم كداعمين ثابتي الموقف لعدم التخلي عن الحلفاء.
وبينما يتطلع بعض المشرعين المعتدلين إلى أن تُسهم التغييرات السياسية والانتخابات الحكومية المرتقبة داخل إسرائيل في فتح صفحة جديدة واستعادة الدعم الأمريكي الثنائي من الحزبين، تؤكد الشواهد والوقائع الميدانية كافة أن نظرة قطاع واسع ومؤثر من الجمهور والقيادات الديمقراطية للتحالف التاريخي قد تغيرت بشكل جذري وغير قابل للرجوع بسهولة، إذ لم تعد تل أبيب تُرى كحليف استراتيجي يسكن فوق الخلافات الحزبية، بل كقضية انتخابية وسياسية ملتهبة تعيد رسم وتهيئة الخارطة السياسية برمتها في الولايات المتحدة.














