رفض قاض فيدرالي أمريكي، أمس الجمعة، للمرة الثالثة، طلب الرئيس دونالد ترامب نقل قضية «أموال الصمت» من محكمة نيويورك إلى المحكمة الفيدرالية وإسقاطها بذريعة الحصانة الرئاسية.
وأدين ترامب في مايو 2024 بتهمة تزوير سجلات تجارية في القضية نفسها، بعدما دفع محاميه الشخصي آنذاك مايكل كوهين مبلغ 130 ألف دولار إلى ممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيالز، قبل أيام من انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016، مقابل التزامها الصمت حيال علاقة تزعم دانيالز أنها جمعتها بترامب عام 2006.
وسجلت شركة ترامب لاحقًا تعويض كوهين عن هذا المبلغ في دفاترها المحاسبية كأتعاب قانونية، بينما كانت في حقيقتها سدادًا لدفعة «الصمت»، وهو ما اعتبرته النيابة العامة في نيويورك تزويرًا يهدف إلى إخفاء الغرض الحقيقي من الدفعة والتأثير بشكل غير مشروع على نتيجة انتخابات 2016.
ويُشكل قرار القاضي ألفن هيلرستين حلقة أخرى في محاولة متجددة من فريق ترامب القانوني، الذي استند إلى حكم المحكمة العليا الصادر في يوليو 2024 بشأن الحصانة الرئاسية كذريعة لإسقاط تلك الإدانة، ضمن مسار قانوني ممتد يخوضه ترامب منذ توجيه الاتهام إليه في مارس 2023، سعيًا لنقل القضية من نظام قضاء الولاية إلى النظام الفيدرالي، حيث يرى فريقه القانوني فرصًا أفضل لإسقاطها.
رفض قضائي ثالث
وقال القاضي هيلرستين، إن أسباب ترامب لتجديد طلبه «ليست جديدة ولا كافية قانونًا»، مشيرًا بذلك إلى ادعاءات ترامب بأن شهادات مساعديه السابقين ومحاميه إضافة إلى تصريحاته على تويتر تنتهك الحصانة الرئاسية. غير أن هذه الادعاءات لا تنتهك الحصانة بحسب القاضي، الذي أوضح أن دفع أموال صمت لممثلة أفلام إباحية بالغة أو التستر على فضيحة لا يدخلان ضمن الحصانة الرئاسية، في إشارة إلى المبلغ الذي دفعه ترامب لدانيالز.
كذلك أشار هيلرستين، إلى أن محامي ترامب اعتقدوا أن مهمته تقتصر على تصديق محضر المحاكمة في محكمة الولاية لإحالته إلى محكمة الاستئناف للدائرة الثانية، لكنه كتب أن المحاكم الفيدرالية الجزئية «ليست كاتبات تصديق».
وتُعد هذه المرة الثالثة التي يمنع فيها هيلرستين محكمة مانهاتن الفيدرالية من انتزاع السيطرة على القضية من محكمة نيويورك التي حوكم فيها ترامب وأدين.
وأبلغ فريق ترامب القانوني، بعد ظهر الجمعة، المحكمة الأدنى باستئناف القرار، ووصفه متحدث باسم الفريق بأنه «باطل وغير قانوني».
وجاء في بيان صادر باسم الفريق القانوني أن قرار المحكمة العليا التاريخي بشأن الحصانة، والدستورين الفيدرالي ودستور ولاية نيويورك، وسوابق قانونية راسخة أخرى، تفرض نقل الملاحقة التي ينفذها ادعاء مانهاتن إلى المحكمة الفيدرالية وإلغاءها وإسقاطها فورًا، وأن ترامب «سيتقدم باستئناف قوي وسيواصل التصدي لتسييس الديمقراطيين للقضاء في كل منعطف».
تفاصيل الإدانة
جعلت الإدانة الصادرة بحق ترامب في مايو 2024 عن 34 جناية متصلة بتزوير سجلات تجارية، أول رئيس أمريكي سابق وحالي يُدان بجريمة.
وقد حكم عليه بالإعفاء غير المشروط من العقوبة، مما أبقى إدانته قائمة دون أي عقوبة فعلية. وينفي ترامب منذ فترة طويلة ادعاء دانيالز، ويقول إنه لم يرتكب أي خطأ، ساعيًا إلى إسقاط الإدانة عبر محاولة نقل القضية إلى المحكمة الفيدرالية، وعبر إجراءات الاستئناف في محكمة الولاية التي لا تزال قيد النظر.
وجاء قرار هيلرستين بعد أن أمرته محكمة الاستئناف للدائرة الثانية العام الماضي بإعادة النظر في رفضه السابق، وهو ما كان قد استبقه القاضي خلال جلسة استماع في فبراير حين انتقد محامي ترامب لاعتمادهم مناورات قانونية وصفها بأنها محاولة أخذ «قضمتين من التفاحة». لم يرد مدعو الولاية فورًا على طلب للتعليق.
وسبق لهيلرستين أن رفض طلبات ترامب لنقل القضية مرتين، الأولى بعد لائحة الاتهام في مارس 2023، والثانية بعد المحاكمة حين سعى محاموه لإسقاط الإدانة في أعقاب حكم المحكمة العليا في يوليو 2024، الذي نص على عدم جواز ملاحقة الرؤساء والرؤساء السابقين عن الأفعال الرسمية، وعدم جواز استخدام الادعاء تلك الأفعال كدليل على أن أفعالًا غير رسمية كانت غير قانونية.
توجيهات محكمة الاستئناف
استأنف ترامب حكم هيلرستين الصادر بعد المحاكمة، وفي نوفمبر الماضي أمرت محكمة الاستئناف للدائرة الثانية القاضي بإعادة النظر في قراره، بعدما تبين أنه لم يأخذ بعين الاعتبار مسائل مهمة ذات صلة بطلب الرئيس نقل القضية.
وقالت هيئة استئنافية مؤلفة من 3 قضاة إنها لا تبدي رأيًا في كيفية حكمه، لكنها أوعزت إلى هيلرستين بمراجعة الأدلة التي زعم ترامب أنها متعلقة بأفعال رسمية، والنظر فيما إذا كان بإمكان ترامب الدفع بأن تلك الأفعال اتُخذت كجزء من مهامه في البيت الأبيض.
وكتب هيلرستين، أمس الجمعة، أنه لا وجود لأي احتمال بأن تكون المناقشات المتعلقة بدفعات أموال الصمت للتستر على علاقة الرئيس مع دانيالز فعلًا رسميًا، مضيفًا أن العلاقة أو التستر عليها لا يدخلان ضمن المحيط الخارجي لمسؤوليات الرئيس الرسمية.
كذلك أوعزت الهيئة القضائية أيضًا إلى هيلرستين بتحديد ما إذا كان ترامب قد سعى بجدية إلى نقل القضية إلى المحكمة الفيدرالية، وما إذا كان بالإمكان أصلًا نقل القضية الآن بعدما أُدين ترامب وصدر الحكم بحقه في محكمة الولاية.
تساؤلات حول استراتيجية الدفاع
وأثار هيلرستين خلال جلسة الاستماع في فبراير تساؤلات حول قرارات فريق ترامب القانوني بعد حكم المحكمة العليا، ملاحظًا أن محامي ترامب طلبوا أولًا من قاضي المحاكمة في محكمة الولاية خوان ميرتشان إسقاط الحكم بذريعة الحصانة، بدلًا من السعي فورًا لنقل القضية إلى المحكمة الفيدرالية.
وعادة يجب تقديم مثل هذا الطلب خلال 30 يومًا من المثول أمام المحكمة، لكن محكمة استئناف فيدرالية في واشنطن قضت بجواز الاستثناءات في حال إثبات سبب وجيه.
ولم يحضر ترامب، وهو جمهوري، جلسة الاستماع، فيما دفع محاميه جيفري وول بأن الادعاء تسرع في المحاكمة بدلًا من انتظار قرار المحكمة العليا بشأن الحصانة الرئاسية، وأن فريق ترامب القانوني كان مضغوطًا بالوقت بعد حكم المحكمة العليا لأن موعد النطق بالحكم كان محددًا بعد 10 أيام فقط من صدوره.
ولم يطلب محامو ترامب من هيلرستين التدخل إلا بعد نحو شهرين، فيما كان طلبهم لدى ميرتشان لا يزال قيد النظر، وهو ما وصفه القاضي بأنه «قرار استراتيجي»، مرجحًا أن توجه محامي ترامب إلى محكمة الولاية أولًا كلفه حقه في السعي لسبل انتصاف أمام المحكمة الفيدرالية.
وقال هيلرستين في حكمه المكتوب، أمس الجمعة، إن ترامب يطلب «قضمة ثانية من التفاحة»، وهي نتيجة يرفضها القانون، مضيفًا أن تأخر ترامب في تقديم طلب النقل «يشكل قرارًا استراتيجيًا نموذجيًا»، وأن «كون ترامب رأى لاحقًا أن ذلك القرار كان سيئًا لا يكفي وحده لإثبات وجود سبب وجيه».








