لم يعد الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة يُنظر إليه باعتباره مجرد تقنية تحمل وعودًا بتغيير المستقبل، إذ تتزايد المخاوف الشعبية من تأثيره على الوظائف والحياة اليومية، بالتزامن مع توسع شركات الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز بيانات ضخمة في مناطق مختلفة من البلاد.
تشير بيانات حديثة إلى أن أكثر من نصف الأميركيين يشعرون بقلق أكبر من استخدام الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية مقارنة بحماسهم تجاهه، ارتفاعًا من 37% في عام 2021. يأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الموجهة إلى قطاع التقنية، وسط تراجع الثقة في الشركات وقادتها.
بحسب استطلاع أجرته CNBC Generation Lab، قال أكثر من 75% من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا إنهم لا يثقون في قدرة الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، Dario Amodei، على التصرف بمسؤولية. كما عبّر نحو 70% عن الموقف نفسه تجاه Sam Altman، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، وMark Zuckerberg، الرئيس التنفيذي لشركة Meta.
الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف بشأن الوظائف ومراكز البيانات
يرتبط جانب كبير من القلق الشعبي بالخشية من أن يؤدي التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى فقدان وظائف واسعة، خاصة مع حديث شركات القطاع عن مستقبل تتوسع فيه قدرات النماذج الذكية بشكل كبير.
تزامن ذلك مع انتشار مراكز البيانات التي تحتاج إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي لتدريب النماذج وتشغيلها. تحولت هذه المنشآت إلى نقطة خلاف في عدد من الولايات الأميركية، بسبب المخاوف المرتبطة باستهلاك المياه، وارتفاع فواتير الكهرباء، والانبعاثات، والضوضاء، إضافة إلى استخدام الأراضي الزراعية.
خلال الربع الأول من عام 2026، تعطلت أو تأخرت مشروعات لمراكز بيانات بقيمة تقارب 130 مليار دولار نتيجة اعتراضات محلية، وهو رقم اقترب خلال ثلاثة أشهر فقط من قيمة المشروعات التي واجهت اضطرابات طوال عام 2025، والتي بلغت نحو 156 مليار دولار.
دفعت هذه المعارضة مجموعات محلية إلى المطالبة بوقف مؤقت لمشروعات مراكز البيانات، لمنح المشرعين والجمهور وقتًا أكبر لدراسة آثارها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.
رغم ذلك، لا تتخذ الآراء موقفًا سلبيًا موحدًا من هذه المنشآت، إذ يرى مؤيدون لها أنها توفر فرص عمل، خصوصًا في مجالات البناء والكهرباء والتدفئة والتبريد، إلى جانب دعمها لتطبيقات تقنية يمكن أن تخدم قطاعات مثل الأبحاث الطبية والزراعة الدقيقة.
أزمة ثقة تتجاوز شركات الذكاء الاصطناعي
يرى خبراء أن المشكلة لم تعد مرتبطة بصورة شركات الذكاء الاصطناعي أو حملاتها الإعلامية فقط، بل أصبحت مرتبطة بأزمة ثقة أوسع تجاه قطاع التقنية.
أقر Dario Amodei بأن النظرة العامة إلى الذكاء الاصطناعي سلبية، معتبرًا أن الشركات مطالبة بإثبات قدرتها على تحسين حياة الناس بدل الاكتفاء بمحاولة إقناعهم بفوائد التقنية.
تتزامن هذه الأزمة مع انتقادات متزايدة لوسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات المراقبة، ما يعزز حالة الاستياء تجاه شركات التقنية الكبرى.
برزت قضية Meta مؤخرًا بعد تسوية مع ائتلاف من المدعين العامين في الولايات، على خلفية اتهامات بأن منصات مثل Instagram وFacebook أضرت بالأطفال والمراهقين. تضمنت التسوية تغييرات في المنتجات، من بينها فرض حد افتراضي لاستخدام المراهقين لمدة ساعتين يوميًا، وكتم الإشعارات خلال ساعات الدراسة، وتعزيز أدوات الرقابة الأبوية.
يمتد القلق كذلك إلى تقنيات المراقبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، إذ أُلغيت أو رُفضت أو أُوقفت عقود أنظمة Flock Safety في أكثر من 90 مدينة أميركية خلال 2026، وفق منظمة تتابع انتشار هذه الأنظمة.
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، أصبح تنظيم الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والمراقبة التقنية من الملفات التي تحظى باهتمام سياسي متزايد من الحزبين.
بالنسبة لشركات مثل OpenAI وAnthropic، تأتي هذه التطورات في توقيت حساس، مع استعداد الشركتين لطرح أسهمهما المحتمل في اكتتابات عامة قد تكون من الأكبر في تاريخ قطاع التقنية. لذلك، لم تعد ثقة الجمهور مجرد قضية تتعلق بالسمعة، بل أصبحت تحديًا قد يؤثر في مستقبل شركات الذكاء الاصطناعي نفسها.













