في تطور مفصلي قد يشكل بداية النهاية لأحد أطول الصراعات وأكثرها دموية في المنطقة، أفاد مسؤول رفيع في حركة حماس بإن الحركة وافقت رسميًا على خطة مجلس السلام الأمريكي التي تنص على نزع السلاح بالكامل في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن بيانًا رسميًا بالخصوص سيتم إصداره في وقت قريب، حسب ما نقله موقع BCC عن مصادره وعن وكالات وصحف إسرائيلية.
وعلى الجانب الآخر، يخيم الصمت التام على الموقف الإسرائيلي الرسمي الذي لم يُدلِ بأي تعليق علني حتى اللحظة، رغم أن مصادر إسرائيلية غير رسمية أفادت بأن الشروط المقترحة في الاتفاق لا تلبي المطالب الكاملة لتل أبيب، وأن مقترح نزع السلاح بالشكل الحالي غير مرضٍ، ومع ذلك، تشير مصادر مطلعة إلى أن الاتفاق جرى توقيعه.
ويربط المقترح بشكل مباشر بين تفكيك القدرات العسكرية للقصائل الفلسطينية وبين انسحاب الجيش الإسرائيلي، إذ من المقرر أن تبدأ العملية بشكل تدريجي ومتسلسل يضمن مراقبة كل مرحلة قبل الانتقال للتي تليها، مع تأكيد الحركة على ضرورة اعتماد صياغة "جرد وتخزين الأسلحة" تحت إشراف فلسطيني بدلًا من تسليمها المباشر لإسرائيل، مع النص الصريح على عدم تسليم أي سلاح لأي كيان غير فلسطيني.
ترامب يشيد بجهود الوسطاء الإقليميين
ومن جانبه، احتفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهذا الإعلان عبر منشور على منصة "تروث سوسيال"، واصفًا التوصل إلى اتفاق بشأن نزع السلاح الكامل لحماس والجماعات المسلحة الأخرى بأنه علامة فارقة واختراق تاريخي في طريق تنفيذ خطته للسلام المكونة من 20 نقطة.
وأوضح ترامب أن الاتفاق سينفذ عبر مراحل منظمة بعناية، مشيرًا إلى أن القوات الإسرائيلية ستنسحب من القطاع مع اكتمال كل مرحلة من مراحل نزع السلاح، لتتولى قوة استقرار دولية بالتعاون مع قوة شرطة فلسطينية جديدة مسؤولية تأمين غزة وضمان أمنها وأمن جوارها، واصفًا الاتفاق بأنه خطوة حاسمة لتمكين حكومة فلسطينية جديدة من إدارة القطاع أخيرًا.
وفي معرض حديثه، أعرب ترامب عن امتنانه العميق للوسطاء الإقليميين الذين لعبوا دورًا محوريًا في إنجاح هذه المفاوضات، موجهًا الشكر الصريح لكل من مصر وقطر وتركيا، وأشار المسؤولون الأمريكيون إلى أن ترامب سيشعر بخيبة أمل كبيرة إذا قررت إسرائيل عدم الالتزام بالانسحاب المتبادل، معربين في الوقت ذاته عن ثقتهم بإن إسرائيل ستظل شريكًا جيدًا وستلتزم بالخطة التي وافقت عليها مبدئيًا.
كواليس المفاوضات الشاقة لاتفاق غزة
لم يكن الوصول إلى هذا الاتفاق أمرًا سهلًا، بل جاء بعد أشهر طويلة من المفاوضات المعقدة والشاقة التي دارت في كواليس عواصم المنطقة وخاصة القاهرة، وتكشف خارطة الطريق المكونة من 4 صفحات، والتي أعدها مجلس السلام، عن آلية دقيقة جرى تصميمها عمدًا بناءً على مبدأ "انعدام الثقة والتحقق المستمر".
وتتضمن الخطة تشكيل "لجنة تحقق من التنفيذ" تضم طرفًا ثالثًا لمراقبة الالتزام بنزاهة، وتبدأ المرحلة الأولى بحصر كامل لجميع الأسلحة الثقيلة ومواقع الإنتاج العسكري والمستودعات والأنفاق، يليها تسليم أسلحة الشرطة التابعة لحماس إلى السلطات الانتقالية، ثم التفكيك التدريجي للبنية التحتية العسكرية المعقدة التي تشبه بنية جيوش الدول.
وترتبط كل خطوة من هذه الخطوات بجدول زمني محدد يُعد في غضون 14 يومًا، ويتوازى مع انسحاب القوات الإسرائيلية، وأكد الممثل السامي لغزة والمدير العام لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، أن هذا الاتفاق تتويج لمفاوضات مريرة شهدت لحظات شك كثيرة، مشددًا على أن العبرة الحقيقية تكمن في التنفيذ الدقيق والنزيه على أرض الواقع لتوفير أفق سياسي يتيح إعادة بناء غزة وإقامة أمن دائم.
أفق الإدارة الجديدة لقطاع غزة
وتزامن هذا التطور مع إعلان اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي لجنة تكنوقراطية فلسطينية مكونة من 15 عضوًا أنشأها مجلس السلام، لتولي مهام إدارة الحياة اليومية واستعادة الخدمات الأساسية وتعزيز سيادة القانون وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية.
وتعود جذور هذه المبادرة إلى سبتمبر 2025 عندما طرح ترامب خطته الشاملة بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي تضمنت رؤية لجعل غزة منطقة منزوعة السلاح والتطرف، بالإضافة إلى طرح خطة للتنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار بمساعدة خبراء دوليين.
ورغم أن حماس كانت قد وافقت في أكتوبر الماضي على إطلاق سراح الرهائن مقابل المعتقلين وتسليم الإدارة للتكنوقراط، فإنها تحفظت حينها على بند نزع السلاح، قبل أن تصل المفاوضات الأخيرة إلى صيغة توافقية تضمن عدم تسليم السلاح لإسرائيل وإدارته عبر سلطة فلسطينية جديدة معنية وحدها بحيازته وتخزينه.
استمرار الغارات الإسرائيلية
وعلى أرض الواقع، يقابل هذا الحراك السياسي المكثف بواقع ميداني معقد وشديد القسوة، إذ تشير التقارير إلى استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية على مناطق متفرقة من القطاع، حيث أُبلغ مؤخرًا عن إصابة عدد من الفلسطينيين جراء غارة استهدفت محيط مسجد في منطقة الكرامة شمال مدينة غزة.
وتأتي هذه التطورات في ظل خروقات متواصلة لوقف إطلاق النار المعلن سابقًا، حيث تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى سقوط أكثر من 1168 قتيلًا فلسطينيًا في هجمات إسرائيلية منذ أكتوبر الماضي، مقابل مقتل 4 جنود إسرائيليين، وتعكس هذه الأرقام حجم المأساة الإنسانية الممتدة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، والتي أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني، وتراجع التنمية البشرية في القطاع عقودًا إلى الوراء، ونزوح أكثر من 60% من السكان بعد تدمير منازلهم.
أمل الخروج من نفق الحرب في غزة
وفي شوارع غزة ومخيمات نزوحها، يستقبل المواطنون هذه الأنباء بفرق واضح بين الوعود السياسية والواقع المعاش، فبعد سنوات طويلة من الاتفاقات المقترحة والهدن المنهارة، طغى التشكك والحذر على ردود أفعال الشارع الفلسطيني، ويعبر الكثير من النازحين، مثل المواطن محمد علي عابد المحاصر مع عائلته في وسط القطاع، عن أن التفاصيل السياسية لم تعد تعنيهم بقدر ما يعنيلم الحصول على ضمانات حقيقية تتوقف بموجبها الحرب وتسمح للنازحين بالعودة إلى ديارهم وإنهاء الحصار المقيت.
ويرى المواطنون أن المقاومة والتمسك بالحقوق يمكن أن يتخذا أشكالًا أيديولوجية وسياسية متعددة لا تقتصر على السلاح فقط، إذا كان التنازل عنه سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الإعمار والأمن والاستقرار الداعم لحياة كريمة طال انتظارها.













