تتجه أنظار الإدارة الأمريكية والدبلوماسية الدولية نحو العاصمة واشنطن، إذ يستضيف الرئيس دونالد ترامب، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لقاءين منفصلين يحملان دلالات إستراتيجية صريحة، وتأتي هذه التحركات المكثفة بالتزامن مع وصول الصراعين العسكريين المشتعلين في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية إلى مراحل حاسمة تتطلب قرارات سياسية وميدانية مصيرية.
وتكشف الزيارة، والتي جاءت على هامش التواجد في العاصمة لحضور مراسم تأبين السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، الذي يُعد أحد أبرز حلفاء ترامب المقربين، عن تباين واضح في طبيعة علاقة البيت الأبيض مع زيلينسكي ونتنياهو، حيث تشهد العلاقات مع كييف تقاربًا متزايدًا وملموسًا، بينما يسود الإحباط المكتوم والتحفظ جو المباحثات مع الجانب الإسرائيلي نتيجة غياب الرؤية الموحدة لتسوية الشق الإيراني.
ملف الشرق الأوسط وحسابات نتنياهو السياسية
تأتي زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في توقيت متوتر تشهد فيه العلاقات مع الإدارة الأمريكية تذبذبًا ملحوظًا بين الود والتباين في وجهات النظر، لا سيما بعد تسريب تفاصيل مكالمة هاتفية سابقة أظهرت استياءً رئاسيًا واضحًا من تحركات تل أبيب ورغبتها في التوسع العسكري ضد أهداف في لبنان.
ويسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي من خلال هذا اللقاء إلى تعزيز موقفه السياسي الداخلي واستعادة ثقة الشارع الإسرائيلي قبيل الانتخابات المقررة في أكتوبر، مستفيدًا من الظهور بجانب الرئيس الأمريكي وتصريحات ترامب الأخيرة التي امتدح فيها أداءه بوصفه رئيس وزراء يملك خبرة إدارة الأزمات في أوقات الحروب.
وتتضمن أجندة المباحثات الرسمية ملف الصراع المتصاعد مع إيران ومستقبل وقف الغارات الجوية الأمريكية المؤقت الذي أعلنه ترامب لإتاحة مساحة للحلول الدبلوماسية، بالإضافة إلى ملف تطبيع العلاقات الإقليمية وعقد اتفاقيات أبراهام، وهو الملف الذي يحاول البيت الأبيض دفع الرياض نحو الانضمام إليه، بينما تواصل السعودية تمسكها بضرورة وجود مسار موثوق وواضح يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة كشرط أساسي للتوقيع.
الملف الأوكراني ومطالب الدفاع الجوي العاجلة
على الجانب الآخر، تكتسب زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أهمية بالغة بالنظر إلى التحول الإيجابي في علافته مع ترامب مقارنة بالبدايات المتوترة لولايته الثانية، حيث نجحت أوكرانيا في إحداث فارق ميداني واستهداف المنشآت النفطية الحيوية داخل الأراضي الروسية.
ويصل زيلينسكي إلى البيت الأبيض محملًا بملفات أمنية ذات أولوية قصوى لتأمين أراضيه، وعلى رأسها الحصول على الضوء الأخضر لشراء منظومات صواريخ باتريوت الاعتراضية بشكل مباشر لتعزيز خطوط الدفاع الجوي ضد الهجمات المباشرة، كما يطمح الجانب الأوكراني إلى إتمام صفقة الطائرات المسيرة مع واشنطن، وتفعيل التعهدات السابقة الخاصة بمنح كييف تراخيص تصنيع الصواريخ والعتاد محليًا.
كما سيتم مناقشة آفاق استئناف محادثات السلام الروسية الأوكرانية برعاية أمريكية، وترتفع حدة هذه المطالب بالتزامن مع جدول أعمال زيلينسكي المقرر في مبنى الكابيتول لعقد جلسة مغلقة مع جميع أعضاء مجلس الشيوخ، بهدف تجاوز عقبة تقاعس وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون في الإسراع بإنفاق المساعدات المعتمدة سابقًا والتي تعطلت حتى سنوات قادمة رغم النقص الحاد في مخزون الذخيرة الأوكراني.
التحديات المستقبليّة أمام الإدارة الأمريكية
تُسلط اجتماعات واشنطن المكثفة الضوء على الفلسفة الإستراتيجية التي يحاول ترامب تطبيقها في التعامل مع الأزمات الدولية عبر المزج بين استعراض القوة وإتاحة الفرص للتفاوض الدبلوماسي، وفي الوقت الذي تضغط فيه واشنطن لحث الجانب الأوكراني على استثمار مكاسبه الميدانية الأخيرة للجلوس على طاولة المفاوضات وإنهاء النزاع المسلح، تظل التطورات في منطقة الشرق الأوسط مرهونة بالقدرة على ضبط إيقاع المواجهة الشاملة مع إيران وحلفائها في المنطقة. وسوف تظل مخرجات هذه الاجتماعات المزدوجة محددًا جوهريًا يرسم معالم خريطة التحالفات الدولية والأمن الإقليمي، كما ستحدد مدى نجاح البيت الأبيض في تحقيق التوازن الصعب بين الالتزامات الخارجية والمخاوف الاقتصادية الداعية إلى إنهاء النزاعات الاستنزافية.












