دخل بحر قزوين، أكبر مسطح مائي داخلي في العالم، دائرة المواجهة بين أوكرانيا وإيران، في تطور يعكس الأهمية المتزايدة لهذا الممر، الذي أصبح أحد أبرز خطوط الربط بين موسكو وطهران.
وأعلنت أوكرانيا، نهاية الأسبوع، أن طائراتها المسيّرة استهدفت سفينتين روسيتين تحملان شحنات عسكرية في بحر قزوين، مؤكدة أن السفينتين غادرتا إيران متجهتين إلى أحد الموانئ الروسية.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في منشور على منصة "إكس"، إن الضربات استهدفت "سفنًا كانت متورطة في نقل شحنات عسكرية من إيران، إضافةً إلى سفينة حربية"، ولاحقًا، قالت أجهزة الأمن الأوكرانية إن السفينة الحربية المستهدفة كانت زورق صواريخ روسيًا، وفقًا لشبكة "CNN" الأمريكية.
وفي المقابل، أعلنت إيران أن إحدى سفنها التجارية، التي كانت تنقل شحنة من الحديد، تعرضت لهجوم أدى إلى مقتل بحار وإصابة ثلاثة آخرين، وكانت السفينة، التي لم يُكشف عن اسمها، في طريقها من ميناء أستراخان الروسي إلى ميناء أنزلي الإيراني. ووصف حاكم المنطقة الإيراني، هادي حق شناص، هذا الخط البحري بأنه "ممر آمن وموثوق للتبادلات التجارية بين الميناءين".
وزادت حدة التوتر يوم الاثنين، بعدما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن "مغامرات أوكرانيا الخطيرة لن تمر دون ردّ من جانبنا". كما استدعت الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال الأوكراني في طهران على خلفية الحادث.
لماذا يكتسب بحر قزوين هذه الأهمية؟
يطل بحر قزوين على خمس دول، بينها إيران وروسيا، واكتسب أهمية أكبر خلال السنوات الأخيرة، خاصةً مع الضغوط التي تواجهها الموانئ الإيرانية في الخليج العربي وخليج عُمان.
ويقول بيجان خاجيبور، الشريك الإداري بشركة "شركاء الترابط الأوراسي" الاستشارية في فيينا، إن بحر قزوين يمنح إيران "استراتيجية تجارية متنوعة، خاصةً إذا عززت التجارة مع روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى والصين عبر السكك الحديدية، وبشكل غير مباشر مع أوروبا الشرقية"، مضيفًا لشبكة "CNN" أن هذا الممر "يمثل مكملًا استراتيجيًا، وليس بديلًا عن وصول إيران البحري الحالي عبر المياه الجنوبية".
وتعبر بحر قزوين شحنات الحبوب والصلب الروسيين، كما يضم موانئ إيرانية رئيسية، بينها ميناء أنزلي، كذلك تُنقل عبره شحنات النفط والغاز الآتية من كازاخستان إلى مركز رئيسي على البحر الأسود.
وبالنسبة لروسيا، يمثل البحر طريقًا رئيسيًا إلى إيران وآسيا الوسطى، كما يشكل أحد ركائز شراكتها مع طهران، التي تشمل التعاون العسكري والاقتصادي، إضافة إلى البرنامج النووي المدني الإيراني ومشروعات التنقيب عن النفط.
ويرى خاجيبور أن العقوبات الأمريكية الأخيرة على الموانئ الإيرانية رفعت من القيمة الاستراتيجية لهذا الممر، لكونه أقل عرضة للعقوبات الدولية، إذ يقع ضمن نطاق الدول المطلة عليه.
ممر لنقل الأسلحة
برز بحر قزوين خلال الحرب الأوكرانية باعتباره أحد أهم خطوط التعاون العسكري بين موسكو وطهران، في إطار الاتفاقية الاستراتيجية التي تجمع البلدين، رغم أنها لا تتضمن بندًا للدفاع المشترك.
وتلقت روسيا أولى شحنات طائرات "شاهد" الإيرانية المسيّرة عبر بحر قزوين في المراحل الأولى من الحرب، قبل أن تبدأ لاحقًا إنتاج نسخ منها داخل الأراضي الروسية.
كما سبق أن استهدفت أوكرانيا هذا الممر، ففي أغسطس الماضي، دُمرت سفينة الشحن "بورت أوليا 4"، التي قالت تقارير إنها كانت تحمل مكونات لطائرات "شاهد-136" المسيّرة وذخائر إيرانية.
وفي عام 2024، أفادت شبكة "CNN" بأنها رصدت سفينة شحن روسية يُشتبه في نقلها صواريخ باليستية إيرانية إلى روسيا عبر بحر قزوين. كما خلصت وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن وزارة الدفاع الروسية استخدمت السفينة "بورت أوليا-3" لنقل صواريخ باليستية قصيرة المدى من إيران إلى روسيا.
وقال وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، أنتوني بلينكن، إن واشنطن تعتقد أن الجيش الروسي تسلم صواريخ "فتح-360" الباليستية الإيرانية، مرجحًا استخدامها "في غضون أسابيع في أوكرانيا ضد الأوكرانيين".
وفي السياق نفسه، حذر مجلس الأمن القومي الأمريكي من تعمق التعاون العسكري بين موسكو وطهران. وقال المتحدث باسم المجلس، شون سافيت، إن "أي نقل للصواريخ الباليستية الإيرانية إلى روسيا سيمثل تصعيدًا خطيرًا في دعم إيران" للكرملين، ونفت إيران آنذاك تقديم أي مساعدات عسكرية لروسيا، بحسب شبكة "CNN".
ماذا تريد أوكرانيا؟
ترى كييف أن ضرباتها على السفن ومنشآت الطاقة في بحر قزوين تستهدف إضعاف القطاعات التي تدعم المجهود الحربي الروسي، كما تعكس تنامي قدراتها على تنفيذ عمليات بعيدة المدى، وتحمل الضربات أيضًا رسالة سياسية، مفادها أن إيران، إلى جانب كوريا الشمالية، أصبحت من أبرز الداعمين العسكريين لروسيا.
وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع زيارة زيلينسكي إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب. وبالتوازي مع الإعلان عن الضربات، قال الرئيس الأوكراني إن أجهزة الاستخبارات أبلغته بأن روسيا زودت إيران ببيانات أقمار صناعية لاستخدامها في تنفيذ هجمات على منشآت أمريكية في الشرق الأوسط.
وتسعى كييف، من خلال هذه الرسائل، إلى التأكيد لواشنطن أن الصراع مع روسيا لم يعد منفصلًا عن شبكة التحالفات التي تربط موسكو بطهران.













