تعيش حرائق الغابات في أوروبا واحدة من أكثر مراحلها خطورة خلال السنوات الأخيرة، بعدما اجتمعت موجات الحر القياسية وشح الأمطار لتدفع فرنسا وإسبانيا إلى مواجهة موسم استثنائي من الحرائق، تسبب في احتراق مئات آلاف الهكتارات، وإجلاء مئات الآلاف من السكان، وفرض تحديات غير مسبوقة أمام فرق الإطفاء والسلطات الأوروبية.
وتشير المؤشرات المناخية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة لا يفاقم الحرائق فحسب، بل يطيل موسمها ويزيد من اتساع رقعتها عامًا بعد عام.
تداعيات حرائق الغابات في أوروبا
بدأت الأزمة مع موجات حر متلاحقة ضربت أجزاء واسعة من القارة الأوروبية، بالتزامن مع انخفاض حاد في معدلات هطول الأمطار، ما أدى إلى جفاف الغابات والأراضي الطبيعية وتحولها إلى بيئة شديدة القابلية للاشتعال. وفي فرنسا وإسبانيا، أجبرت الحرائق مئات الآلاف من السكان على مغادرة منازلهم، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء التي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، بينما أتت ألسنة اللهب على مساحات شاسعة من الغابات والمناطق الريفية.
وتشير التوقعات إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة قد يزيد من تعقيد جهود السيطرة على الحرائق، لا سيما بعدما أتت النيران في جنوب غربي فرنسا على مساحة تعادل أربعة أضعاف مساحة باريس، في وقت واصلت فيه الحرائق تمددها بالقرب من العاصمة الإسبانية مدريد. ويؤكد خبراء المناخ أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع احترارًا في العالم، وهو ما انعكس في تكرار موجات الحر القياسية التي شهدها العام الجاري.
ووصف رجال الإطفاء في إسبانيا الحرائق بأنها بلغت من الشدة ما جعل التعامل المباشر معها بالغ الصعوبة، فيما برزت بوادر محدودة لتحسن الأوضاع في فرنسا مع تباطؤ انتشار أحد أكبر الحرائق في إقليم جيروند، دون أن يعني ذلك انتهاء الخطر.
التغير المناخي والوقود النباتي
يرى خبراء المناخ أن التغير المناخي يقف في صدارة العوامل التي أسهمت في تفاقم الأزمة، إذ أن درجات الحرارة التي تجاوزت معدلاتها الطبيعية، إلى جانب موجة الحر الطويلة خلال يونيو أدت إلى تعميق آثار الجفاف، بينما امتصت الحرارة المرتفعة الرطوبة من النباتات والأشجار، فتحولت إلى ما يُعرف بـ"الوقود النباتي"، وهو المادة التي تساعد على انتشار ألسنة اللهب بوتيرة أسرع وتزيد من شدة الحرائق.
وأيدت دراسة صادرة عن شبكة "إسناد المنسوب للمناخ العالمي" هذا التفسير، مؤكدة أن موجة الحرارة القياسية التي شهدتها أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة ما كانت لتحدث بهذا الشكل لولا تأثير التغير المناخي.
كما سجلت فرنسا شهر يونيو الأكثر حرارة في تاريخها، وفقًا للهيئة الوطنية للأرصاد الجوية، بعدما ارتفعت درجات الحرارة بمقدار 3.8 درجة مئوية فوق المعدل الطبيعي، بالتزامن مع تراجع معدلات الأمطار بنحو 50% مقارنة بالمتوسط المعتاد، وهي ظروف وفرت بيئة مثالية لانتشار الحرائق.
وفي إسبانيا، ورغم أن حرائق الغابات تُعد جزءًا من طبيعة فصل الصيف، فإن التغير المناخي جعل المواسم أكثر حرارة وجفافًا، بينما أسهم تراجع النشاط الزراعي والصناعات المرتبطة بالغابات في زيادة تراكم النباتات الجافة داخل البراري، وهو ما رفع احتمالات اندلاع حرائق واسعة يصعب احتواؤها.
أرقام قياسية في الخسائر
تعكس الأرقام حجم الكارثة التي تشهدها حرائق الغابات في أوروبا هذا العام، فبحسب النظام الأوروبي للمعلومات عن حرائق الغابات، تجاوزت المساحات المحترقة في فرنسا وإسبانيا 300 ألف هكتار، كما أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية تسجيل 13,566 حريقًا منذ بداية العام، التهمت أكثر من 116 ألف هكتار، وهو أعلى مستوى سنوي تسجله البلاد في تاريخها الحديث.
أما في إسبانيا، فأكدت وزيرة التحول البيئي، سارا آخيسين، أن الحرائق التهمت نحو 153 ألف هكتار منذ بداية العام، أي ما يعادل ستة أضعاف المساحة التي احترقت خلال النصف الأول من عام 2025.
كما شهدت البلاد اندلاع أكبر وثالث أكبر حرائق في تاريخها، من بينها حريق أفيلا، غرب مدريد، الذي تجاوزت مساحته 50 ألف هكتار، في حين أسفر حريق ألميريا عن مقتل 13 شخصًا، ليصبح الأكثر دموية في الذاكرة الإسبانية الحديثة.
أكبر عمليات الإجلاء
لم تقتصر تداعيات الأزمة على الخسائر البيئية، بل امتدت إلى السكان، إذ نزح أكثر من 300 ألف شخص من منازلهم في فرنسا وإسبانيا، في عملية وصفها الاتحاد الأوروبي بأنها واحدة من أكبر عمليات الإجلاء التي شهدتها القارة. ففي فرنسا، تجاوز عدد الذين أُجبروا على المغادرة 250 ألف شخص، بينهم 220 ألفًا في إقليم جيروند، بينما أُجلي في إسبانيا 79 ألف شخص من القرى الواقعة غرب مدريد وفي إقليم كاستيون، مع فرض الحجر المنزلي على 30 ألفًا آخرين.
أمام اتساع نطاق الأزمة، عزز الاتحاد الأوروبي جهوده لدعم البلدين، إذ أرسل سبع طائرات وأربع مروحيات إلى فرنسا، إضافة إلى ست طائرات أخرى إلى إسبانيا، بمشاركة عدد من الدول الأوروبية، في إطار آلية الاستجابة المشتركة للكوارث.
وأكدت المفوضة الأوروبية لإدارة الأزمات، حجة لحبيب، أن مواجهة حرائق بهذا الحجم تتطلب تضامنًا جماعيًا، مشددة على أن أوروبا ستواصل دعم فرنسا وإسبانيا حتى السيطرة الكاملة على النيران. كما يواصل برنامج "كوبرنيكوس" الأوروبي للأقمار الصناعية تزويد سلطات الطوارئ بخرائط آنية لمناطق الخطر، بما يساعد على توجيه فرق الإطفاء وتقييم مسارات انتشار الحرائق.
تحدٍ طويل الأمد
تؤكد التطورات الأخيرة أن حرائق الغابات في أوروبا لم تعد مجرد كوارث موسمية، بل أصبحت مؤشرًا واضحًا على تصاعد تأثيرات التغير المناخي. ومع استمرار موجات الحر والجفاف، تبدو القارة أمام تحدٍ طويل الأمد يتطلب تعزيز إجراءات الوقاية، وتطوير قدرات الاستجابة، والتوسع في سياسات التكيف مع المناخ، للحد من الخسائر البشرية والبيئية والاقتصادية مستقبلًا.














