يظن كثيرون أن الاهتمام بالعظام يبدأ مع التقدم في العمر، لكن الدراسات تشير إلى أن صحة العظام تُبنى منذ سنوات الطفولة والمراهقة، بينما تبدأ كثافة العظام في الانخفاض تدريجيًا مع التقدم في السن. ولذلك فإن النظام الغذائي اليومي لا يقتصر دوره على دعم الجسم في الحاضر، بل يحدد أيضًا مدى قوة الهيكل العظمي في المستقبل، ويقلل خطر الإصابة بهشاشة العظام والكسور.
صحة العظام تبدأ من البلوغ
وتوضح كيت وارد، أستاذة صحة الجهاز الهيكلي العضلي بجامعة ساوثهامبتون البريطانية، أن العظام تبلغ أعلى كثافة لها في بداية مرحلة البلوغ، ثم تبدأ في فقدان جزء من هذه الكثافة تدريجيًا. ويعتمد ما يحدث لاحقًا إلى حد كبير على "مخزون العظام" الذي يكتسبه الإنسان في سنوات النمو الأولى.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة مع انتشار هشاشة العظام عالميًا؛ إذ يعاني منها نحو 500 مليون شخص، بينما تظل في كثير من الحالات مرضًا صامتًا لا تظهر أعراضه إلا بعد التعرض لكسر مفاجئ قد يغيّر حياة المصاب.
وتعد كسور الورك من أخطر مضاعفات المرض، إذ يسجل العالم أكثر من 10 ملايين حالة سنويًا بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 55 عامًا، كما تشير التقديرات إلى أن نحو 30% من المصابين فوق سن الستين يتوفون خلال عام من الإصابة نتيجة المضاعفات الصحية المصاحبة.
ورغم أن النساء أكثر عرضة لفقدان كثافة العظام بعد انقطاع الطمث، فإن الرجال أيضًا يواجهون خطر الإصابة مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، وهو ما يجعل الاهتمام بـ صحة العظام ضرورة للجميع، وليس لفئة عمرية أو جنس بعينه.
العناصر الغذائية التي تحتاجها العظام
تعتمد صحة العظام على أكثر من عنصر غذائي واحد، فالكالسيوم يظل المكون الأشهر لكنه ليس الوحيد، إذ يحتاج الجسم إلى فيتامين (د) والبروتين، إلى جانب المغنيسيوم، والفسفور، والزنك، وفيتامين (ك)، وهي عناصر تعمل معًا للحفاظ على قوة العظام والعضلات ودعم عملية تجددها.
ويؤكد الخبراء أن الحصول على هذه العناصر من الغذاء المتوازن يظل الخيار الأفضل في معظم الحالات، قبل التفكير في اللجوء إلى المكملات الغذائية.
منتجات الألبان.. المصدر الأهم للكالسيوم
يظل الحليب والزبادي والجبن من أبرز مصادر الكالسيوم، إذ يوفر كوب من الحليب بحجم 200 ملليلتر نحو 260 ملليجرامًا من الكالسيوم، وهو ما يجعله أحد أسهل الخيارات لتلبية الاحتياجات اليومية.
وأظهرت دراسة أُجريت على 7195 من كبار السن المقيمين في دور الرعاية أن زيادة استهلاك منتجات الألبان مع البروتين لمدة عامين ارتبطت بانخفاض خطر السقوط بنسبة 11%، كما انخفض خطر الإصابة بكسور الورك بنسبة 46%، وهو ما يعكس أهمية الجمع بين الكالسيوم والبروتين في النظام الغذائي.
وتختلف الاحتياجات اليومية من الكالسيوم باختلاف العمر والحالة الصحية، إلا أنها تتراوح عمومًا بين 700 و1200 ملليجرام يوميًا، مع ارتفاع الاحتياج لدى النساء بعد انقطاع الطمث وكبار السن.
الصويا.. بديل نباتي
لا تقتصر مصادر الكالسيوم على منتجات الألبان، إذ توفر أطعمة الصويا بديلًا مناسبًا، خاصة لمن لا يتناولون الحليب أو مشتقاته. ويحتوي كل 100 جرام من التوفو على نحو 200 ملليجرام من الكالسيوم.
كما تحتوي الصويا على مركبات نباتية تعرف باسم "الإيسوفلافون"، وهي مركبات تشبه في تأثيرها هرمون الإستروجين، وقد أظهرت دراسات أن تناولها قد يسهم في تحسين الكثافة المعدنية للعظام لدى النساء بعد انقطاع الطمث.
ويبرز "التيمبيه" أيضًا كأحد الخيارات المفيدة، إذ تؤدي عملية تخميره إلى تقليل المركبات التي تعيق امتصاص المعادن، ما يسمح للجسم بالاستفادة بصورة أفضل من الكالسيوم الموجود فيه.
عناصر صغيرة بفوائد كبيرة
رغم صغر حجمها، فإن بذور الشيا تعد من الأغذية الغنية بالعناصر الداعمة لـ صحة العظام، إذ تحتوي الملعقة الواحدة على نحو 95 ملليجرامًا من الكالسيوم، إضافة إلى المغنيسيوم والفسفور وأحماض أوميجا 3 الدهنية التي تساعد في الحد من الالتهابات المزمنة، وهي أحد العوامل التي قد تؤثر في تجدد العظام.
كما توفر الفواكه المجففة، مثل التين والمشمش والقراصيا، كميات جيدة من الكالسيوم والمغنيسيوم، إلى جانب مركبات البوليفينول المضادة للأكسدة، التي تشير بعض الدراسات إلى دورها في إبطاء فقدان الكتلة العظمية.
وأظهرت إحدى التجارب أن النساء اللاتي تناولن 50 جرامًا من القراصيا يوميًا لمدة عام فقدن كمية أقل من العظام مقارنة بغيرهن، ما يعزز أهمية إدراج هذه الأطعمة ضمن نظام غذائي متوازن.
الكالسيوم والبروتين وفيتامين (د)
تمثل الأسماك خصوصًا السردين والسلمون، خيارًا غذائيًا يجمع بين أكثر من عنصر مهم للعظام. فالسردين المعلب بالعظام يوفر نحو 240 ملليجرامًا من الكالسيوم في العبوة الصغيرة، أي ما يعادل قرابة 30% من الاحتياج اليومي.
كما تمد الأسماك الجسم بالبروتين اللازم للحفاظ على الكتلة العضلية، إلى جانب فيتامين (د) الذي يساعد على امتصاص الكالسيوم بكفاءة.
ويشير خبراء التغذية إلى أن الحفاظ على قوة العضلات لا يقل أهمية عن الحفاظ على قوة العظام، لأن العضلات القوية تقلل احتمالات السقوط، وبالتالي تحد من خطر التعرض للكسور.
هل يحتاج الجميع إلى المكملات الغذائية؟
لا تزال المكملات الغذائية محل نقاش بين الباحثين، إذ تختلف فائدتها باختلاف الحالة الصحية والعمر. وتشير الدراسات إلى أن مكملات فيتامين (د) قد لا تقلل خطر الكسور لدى الأشخاص الأصحاء، لكنها قد تكون مفيدة لكبار السن أو لمن يعانون نقصًا مثبتًا أو لا يحصلون على قدر كافٍ من أشعة الشمس.
وفي المقابل، يحذر الخبراء من الإفراط في تناول المكملات، خصوصًا فيتامين (د)، لأن الجرعات المرتفعة قد تأتي بنتائج عكسية وتزيد خطر السقوط.
أما مكملات الكالسيوم، فلا يُنصح بها إلا عند عدم القدرة على الحصول على الاحتياجات اليومية من الغذاء، إذ يظل النظام الغذائي المتوازن الذي يجمع بين الألبان أو بدائلها، والأسماك، والبروتين، والخضروات الورقية، الخيار الأكثر أمانًا وفاعلية لدعم صحة العظام على المدى الطويل.













