بلغ وباء الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية 5021 حالة، بينها 2378 وفاة حتى يوم الأحد، لكن الرقم وحده لا يفسر المشهد، فما يجعل هذا التفشي استثنائياً أنه يتقدم على جهود احتوائه لا العكس، إذ يصفه مسؤولون أمميون بأنه يسبق الاستجابة بخطوة كاملة في واحدة من أكثر مناطق العالم بعداً وعزلة.
وثمة سؤال يفرض نفسه أمام هذا التسارع، لماذا يستعصي على منظومة صحية دولية بأكملها إيقاف فيروس واحد؟ الإجابة تكمن في تقاطع 4 أزمات متزامنة، أزمة علمية تتمثل في غياب أدوات المواجهة، وأزمة أمنية تحاصر من يفترض أن يواجه الفيروس، وأزمة ثقة تجعل المجتمعات المتضررة نفسها حاجزاً أمام كشفه.
فقد أصاب الوباء وقتل أعداداً من الناس بوتيرة أسرع من أي تفشٍ آخر في التاريخ المسجل منذ عام 1976، إذ تقدر منظمة الصحة العالمية أنه سيتجاوز على الأرجح تفشي عامي 2014 و2016 في غرب أفريقيا، الذي كان الأشد فتكاً على الإطلاق بأكثر من 11 ألف وفاة. ومنذ رصد أول حالة فيه، انتشر التفشي الحالي بوتيرة أسرع بنحو 3 أضعاف مقارنة بالأشد فتكاً على الإطلاق.
وحمل تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، هذا التسارع في تصريح له يوم الثلاثاء خلال اجتماع عقدته المنظمة، قائلاً إن الوباء «انتشر بسرعة وخطر المزيد من الانتشار على الصعيدين الوطني والدولي لا يزال مرتفعاً»، مضيفاً «يجب أن نكون صريحين، فالوباء أبعد ما يكون عن السيطرة عليه».
الأزمة الأولى.. سلالة نادرة تسبق العلم بخطوات
يبدأ تفسير استعصاء هذا التفشي من صميم بنيته البيولوجية، إذ يعود التسارع في الانتشار في جزء كبير منه إلى غياب أي لقاح أو علاج معتمد لفيروس بونديبوجيو النادر المسؤول عن التفشي الحالي، وهو ما شكّل تحدياً رئيسياً أمام الاستجابة منذ يومها الأول.
فمن بين 4 سلالات تصيب البشر هي زائير والسودان وبونديبوجيو وتاي فورست، لم تشهد سلالة بونديبوجيو سوى تفشيين سابقين فقط في عامي 2007 و2012، ما ترك ترسانة مكافحتها متأخرة عن الحاجة بعقد كامل.
وتكشف هذه الفجوة حجمها الحقيقي عند مقارنتها بسرعة العلم ذاته، فبينما بدأت التجارب السريرية لعلاجين محتملين لهذه السلالة الشهر الماضي فقط، يخضع لقاحان طُورا لها للاختبار على البشر لأول مرة على الإطلاق، أحدهما طورته جامعة أكسفورد اعتماداً على التقنية ذاتها المستخدمة في لقاح أكسفورد-أسترازينيكا لكوفيد، واستغرق تطويره 8 أسابيع فقط بعد إدخال الشيفرة الجينية لسلالة بونديبوجيو، وسيُختبر على 50 متطوعاً من أكسفورد تتراوح أعمارهم بين 18 و55 عاماً. وفي موازاة ذلك، ترعى منظمة الصحة العالمية تجربة سريرية منفصلة في الكونغو الديمقراطية لاختبار مدى قدرة عقارين مضادين للفيروسات، هما جسم مضاد وحيد النسيلة تجريبي يُعرف باسم MBP134 ودواء ريمديسيفير، على تحسين معدلات النجاة، غير أن نتائج هذه التجارب تبقى رهينة زمن لا يملكه التفشي المتسارع على الأرض.
الأزمة الثانية.. وباء يُكتشف بعد فوات الأوان
وقبل أن تصل هذه الأدوات العلمية الناقصة أصلاً إلى ميدان المواجهة، كانت الخسارة الأولى قد وقعت فعلاً في توقيت الاكتشاف نفسه.
فقد ظهرت الأعراض على أول حالة مشتبه بها معروفة، وهي ممرضة، بتاريخ 24 أبريل، ولم تُخطَر السلطات الصحية بالتفشي إلا عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 5 مايو، بعدما كان قد توفي حينها 50 شخصاً بالفعل وفق مركز مكافحة الأمراض الأفريقي.
وأكدت منظمة الصحة العالمية لاحقاً، عبر تحليل التسلسل الجيني، أن التفشي كان قد بدأ فعلياً منذ فبراير، أي قبل أشهر من رصده، وهي فجوة زمنية منحت الفيروس هامشاً واسعاً للتمدد بصمت.
ويشرح هذا التأخر الفني وحده حجم الضرر الذي يلحقه، إذ أوضحت الدكتورة آن كوري، الأستاذة المشاركة في نمذجة الأمراض المعدية بإمبريال كوليدج لندن، أن أي تأخر في الاستجابة لتفشي إيبولا «يمكن أن تكون له عواقب كارثية»، مضيفة أن التفشيات غير المكتشفة «يمكن أن تجعل تدابير المكافحة القياسية، مثل تتبع المخالطين، أصعب بكثير من تطبيقها بفعالية، لا سيما في بيئة تواجه أصلاً تحديات أخرى مثل النزاع المسلح».
الأزمة الثالثة.. حرب تحاصر من يفترض أن يواجه الفيروس
وحين ينتقل السؤال من توقيت الاكتشاف إلى مسرح المواجهة، تتكشف العقبة الأشد تعقيداً، فمقاطعة إيتوري، الأكثر تضرراً من التفشي، تحولت إلى بؤرة رئيسية للعنف حدّت من فعالية الاستجابة مع استهداف العاملين الصحيين أنفسهم. فقد هاجم سكان يوم الاثنين فريقاً صحياً في إقليم آرو عقب الإبلاغ عن حالة مشتبه بها هناك، حيث أضرم حشد النار في سيارة إسعاف وألحق أضراراً بمركبتين أخريين، بحسب ما ذكره مايكل واني، رئيس اتحاد الجمعيات الثقافية لتنمية إيتوري.
ويكشف هذا الحادث عن معضلة أعمق من مجرد فقدان معدات، فالدكتور مارتن كوينياي، المشارك في جهود الاستجابة في إيتوري، يرى أن التحدي الحقيقي يكمن في ضرورة «تقريب الاستجابة من الناس، لا سيما في المناطق الريفية ومناطق التعدين والنزوح»، وهو ما تعجز عنه بيئة أمنية متقلبة السيطرة، تتوزع فيها الأراضي بين الحكومة وجماعات مسلحة متعددة. وأكدت تريش نيوبورت، منسقة الطوارئ في منظمة أطباء بلا حدود المعروفة باختصارها الفرنسي MSF، أن ليس جميع سكان المناطق المتأثرة يملكون المعلومات الأساسية التي يحتاجونها، قائلة «يجب أن يكون المجتمع على وعي بالتفشي، ويجب أن يكون جزءاً من الاستجابة، ويجب أن يعرف ما هي العلامات والأعراض وما ينبغي فعله في حال المرض».
وتتضافر هذه التهديدات الأمنية المباشرة مع عوائق أخرى تُنهك المستجيبين من الداخل، من تهديدات جماعات متمردة، إلى غضب مجتمعات محلية تراكمت لديها صدمات سنوات من النزاع، وصولاً إلى رداءة الطرق المؤدية إلى الأقاليم المتأثرة، وهي عوامل تُبطئ الوصول إلى المرضى في وقت يُحسب فيه كل يوم.
الأزمة الرابعة.. من يواجه الفيروس منهك بلا أجر
وفي نهاية هذه السلسلة من العقبات، يقف العامل البشري الذي يحمل عبء المواجهة كلها على كتفيه. فقد قالت تيريز أنييا، وهي ممرضة تعمل في بونيا عاصمة إيتوري، إنها منهكة من ضغط العمل وسوء ظروفه، مضيفة أن بعض العاملين الصحيين أضربوا عن العمل بعد عدم صرف رواتبهم. وقالت أنييا لوكالة أسوشيتد برس «إذا لم يأخذ المسؤولون الأمر على محمل الجد، فسننسحب نحن أيضاً في نهاية المطاف، فالطريقة التي يُدار بها هذا الوباء مرهقة».














