غيّرت الصراعات التي يعيشها العالم خلال السنوات الأخيرة، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى الصراع في الشرق الأوسط، سباق التسلّح العالمي ومعدل الطلب على الأسلحة، الذي لم يعد يقتصر على الأسلحة التقليدية مثل الطائرات المقاتلة والدبابات، بل امتد إلى فئات جديدة فرضتها الحروب الحديثة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوي.
وأبرزت أحدث التقديرات التي نشرها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) هذا التحول بوضوح، إذ ارتفع حجم نقل الأسلحة الرئيسية بين الدول بنحو 9.2% خلال الفترة 2021-2025 مقارنة بالفترة السابقة، مدفوعًا بالزيادة الكبيرة في واردات أوروبا، بينما أصبحت أوكرانيا أكبر مستورد للأسلحة في العالم.
الطائرات المسيّرة
جاءت المسيّرات في مقدمة الأسلحة التي شهدت طفرة نمو غير مسبوقة في الاستخدام والطلب، إذ تحولت من أداة للاستطلاع إلى عنصر حاسم في العمليات العسكرية والهجمات بعيدة المدى. وعززت الحرب في أوكرانيا من أهمية هذه الأسلحة، خصوصًا مع انخفاض تكلفتها وقدرتها على تنفيذ مهام كانت تتطلب في السابق صواريخ أعلى تكلفة أو طائرات مأهولة.
وخلال عام 2024، أنتجت كييف نحو 2.2 مليون طائرة مسيّرة مقابل 1.5 مليون لدى روسيا، بينما اعتمدت موسكو بشكل متزايد على أسراب طائرات «شاهد» (جيران-2) الانتحارية لإغراق الدفاعات الجوية الأوكرانية واستنزافها. ولا يقتصر التوجه على المسيّرات الهجومية أحادية الاتجاه، بل يمتد إلى الطائرات الاعتراضية ومسيّرات الاستطلاع والأنظمة القادرة على العمل ضمن أسراب تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ما يدفع الدول إلى الاستثمار في أجيال أكثر استقلالية وتنوعًا.
الصواريخ بعيدة المدى
بالتوازي مع طفرة المسيّرات، يتزايد الاهتمام بالصواريخ بعيدة المدى، سواء صواريخ كروز أو الصواريخ الباليستية أو الصواريخ الموجهة للهجوم الأرضي. وتشير بيانات SIPRI إلى أن الاهتمام العالمي بالصواريخ بعيدة المدى للهجوم البري يتزايد بصورة واضحة، فيما استحوذت الولايات المتحدة وحدها على 45% من صادرات هذا النوع من الصواريخ خلال الفترة 2020-2024، مع استمرار وجود طلبيات قيد التنفيذ لصالح 13 دولة إضافية.
وكشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن تكتيكات حديثة في الحرب، يتم فيها المزج بين صواريخ كروز والطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية في موجات هجومية واحدة، بهدف تشتيت الدفاعات الجوية وزيادة فرص اختراقها. وبرز ضمن هذه الترسانة صاروخا كروز الروسيان Kh-101 وKh-555، إلى جانب صاروخ إسكندر الباليستي، في الهجمات الروسية المكثفة، بما يعكس تنوع وسائل الضربات بعيدة المدى.
أنظمة الدفاع الجوي
رغم هيمنة الصواريخ والطائرات المسيّرة على مشهد الصراعات الحديثة، شهدت أنظمة الدفاع الجوي أيضًا ارتفاعًا في الطلب، خصوصًا مع الحاجة إلى التصدي للموجات الكثيفة من الصواريخ والمسيّرات. وبحسب بيانات SIPRI، استمرت الدول الأوروبية في استيراد أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى والطائرات المقاتلة من الولايات المتحدة، رغم توسع الإنتاج الأوروبي، في ظل تصاعد المخاوف الأمنية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
وفي مواجهة الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، تتجه بعض الحلول إلى وسائل اعتراض أقل تكلفة، تشمل المدافع الموجهة بالرادار سريعة الإطلاق والصواريخ الاعتراضية منخفضة التكلفة والمسيّرات الاعتراضية. كما يجري تطوير حلول تعتمد على الطاقة الموجهة، من بينها أسلحة الليزر عالي الطاقة والموجات الميكروية عالية الطاقة، إلى جانب أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد المسيّرات وتحديدها والتعامل معها.
الذخائر وقذائف المدفعية
أعادت الحرب البرية واسعة النطاق الاعتبار إلى قذائف المدفعية والذخائر الموجهة، بعدما استهلكت الجبهات كميات كبيرة منها خلال فترة قصيرة. ويبرز هذا الاتجاه في أوروبا بصورة خاصة، حيث ارتفعت إيرادات شركات الأسلحة مع زيادة الطلب المرتبط بالحرب في أوكرانيا.
ومن أبرز الأمثلة مجموعة تشيكوسلوفاك التشيكية، التي قفزت إيراداتها من الأسلحة بنسبة كبيرة نتيجة مشروع تقوده الحكومة لتوفير قذائف المدفعية لأوكرانيا. كما شملت الترسانة المستخدمة في الصراعات الحديثة القنابل والصواريخ الموجهة، بما يعكس استمرار الطلب على الذخائر القادرة على تنفيذ ضربات دقيقة.
الطائرات المقاتلة
رغم صعود المسيّرات، فإن الطائرات المقاتلة لا تزال تمثل أحد أكثر الأسلحة أهمية في سوق التسلح، خصوصًا لدى الدول الساعية لتعزيز قدراتها الجوية. وتوضح بيانات SIPRI أن الطائرات المقاتلة كانت من أبرز الأسلحة التي استوردتها الدول الأوروبية من الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، كما واصلت واشنطن تصدير مقاتلات متقدمة مثل «إف-35» إلى عدد من الحلفاء، في حين شكلت المقاتلات جزءًا رئيسيًا من الصادرات الفرنسية إلى أوروبا والشرق الأوسط.
اتجاه جديد في سباق التسلح
لم تخلق الحروب والصراعات تحولًا في نوعية الأسلحة التي تبحث عنها الدول فحسب، بل شملت التحولات فلسفة التسلح نفسها، التي باتت تتجه نحو أسلحة منخفضة التكلفة وذات تأثير أكبر، من خلال الجمع بين الذكاء الاصطناعي والعمل الجماعي للمسيّرات والضربات الدقيقة والقدرة على مواجهة أسراب الطائرات غير المأهولة. وفي الوقت نفسه، يتسارع تطوير أنظمة مضادة لهذه التهديدات، ما يخلق سباق تسلح جديد بين وسائل الهجوم ووسائل الاعتراض. وأدى الانتشار السريع للصواريخ والطائرات المسيّرة المسلحة إلى زيادة الحاجة إلى منظومات دفاعية قادرة على التعامل مع تهديدات متعددة في الوقت نفسه.
وتشير الاتجاهات التي ترصدها البيانات إلى أن استمرار النزاعات سيواصل إعادة تشكيل ساحات القتال، بما يدفع الطلب العالمي على التسلح نحو الأسلحة التي تجمع بين انخفاض التكلفة، وسرعة الإنتاج، والدقة، والقدرة على العمل بأعداد كبيرة؛ وهي مواصفات تضع الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي في قلب سباق التسلح العالمي.












