تشير نقاشات داخل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى احتمال مراجعة طريقة إدارة البنك المركزي لميزانيته العمومية ودوره في الأسواق، في ظل أفكار مرتبطة بالدور المستقبلي للرئيس المحتمل كيفن وارش، التي يصفها بعض المراقبين بأنها تغيير في قواعد العمل داخل "وول ستريت"، وإن كانت تدريجية.
ويتركز الجدل حول ما إذا كان ينبغي للفيدرالي الاستمرار في استخدام ميزانيته العمومية كأداة يومية للتأثير على الأسواق والظروف المالية، أو قِصَر استخدامها على فترات الأزمات فقط، ومن المتوقع أن ينعكس أي تغيير في هذا النهج على أسواق السندات وأسعار الرهن العقاري والقطاعات المرتبطة بأسعار الفائدة، وفقًا لشبكة "CNBC" الإخبارية.
ما الدور الذي سيلعبه "الفيدرالي" الفترة المقبلة؟
ومنذ الأزمة المالية في 2008، توسع الاحتياطي الفيدرالي في استخدام مشترياته من سندات الخزانة والأوراق المدعومة بالرهن العقاري، لترتفع ميزانيته العمومية من نحو 800 مليار دولار قبل الأزمة إلى ما يقارب 9 تريليونات دولار في مراحل لاحقة، وهو ما يعادل حاليًا نحو 23% من حجم الاقتصاد الأمريكي.
وكان وارش قد وصف الميزانية العمومية في مقال بصحيفة وول ستريت جورنال بأنها "متضخمة"، مشيرًا إلى إمكانية تقليصها بالتوازي مع خفض أسعار الفائدة.
ويحذر اقتصاديون ومسؤولون سابقون من أن أي تغيير في هذا الإطار قد ينعكس بشكل مباشر على عوائد السندات وأسعار الفائدة في السوق، إضافة إلى تأثيره على طريقة تعامل البنك المركزي مع الأزمات المستقبلية.
وقال لو كراندال، كبير الاقتصاديين في مؤسسة "Wrightson ICAP"، إن النقاش حول هذا الملف سيستمر خلال الفترة المقبلة، مضيفًا: "هذا نقاش من المتوقع أن يتجدد لاحقًا هذا العام، لكن ما يبعث على الاطمئنان أن حتى كيفن وارش لا يرى أن هذه التغييرات يمكن أن تتم بسرعة".
وأضاف: "هذه تغييرات تتطلب حذرًا شديدًا، ومن المرجح أن تنفيذها سيستغرق وقتًا، وينظر إليها على أنها خطة متوسطة الأجل وليست أولوية فورية".
مساحة أكبر لسوق "الريبو"
في المقابل، تتباين داخل الاحتياطي الفيدرالي وجهات النظر بشأن هذا التوجه. إذ يرى بعض الاقتصاديين، من بينهم ستيف بليتز من "TS Lombard"، أن الفيدرالي قد يتحول إلى إعطاء وزن أكبر لسوق "الريبو" كأداة رئيسية لإدارة السياسة النقدية، بدلًا من الاعتماد حصريًا على سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية.
وقال بليتز: "يتحوّل معدل الريبو إلى المعيار الرئيسي للسياسة النقدية"، مشيرًا إلى أن هذا السيناريو قد يخلق معادلات معقدة، إذ يمكن أن يتيح خفض أسعار الفائدة مع الإبقاء على شروط تمويل أكثر تشددًا في السوق.
قلق حول الميزانية العمومية
في المقابل، عبّر مسؤولون داخل الفيدرالي عن تحفظات واضحة تجاه هذا، وقال مايكل بار، محافظ الاحتياطي الفيدرالي، إن تقليص الميزانية العمومية "هدف خاطئ"، محذرًا من أن ذلك قد يضعف مرونة البنوك ويؤثر على استقرار أسواق المال، وربما يؤدي إلى زيادة تدخلات البنك المركزي بدلًا من تقليلها.
وتقوم آلية عمل الميزانية العمومية على إنشاء الاحتياطي الفيدرالي لاحتياطيات نقدية رقمية يستخدمها لشراء أصول من البنوك، ما يضخ سيولة في النظام المالي، وعند تقليص الميزانية، يتوقف البنك عن إعادة استثمار السندات المستحقة، ما يؤدي إلى سحب تدريجي للسيولة.
كما يستخدم البنك أدوات أخرى لضبط السياسة النقدية، من بينها الفائدة على الاحتياطيات ونافذة الخصم، إضافةً إلى عمليات "الريبو" العكسي لليلة واحدة.
ويشير خبراء إلى أن النظام الحالي يعتمد على احتياطيات "وفيرة"، فيما يرى بعض المقترحات إمكانية العودة إلى نظام احتياطيات "نادرة" مشابه لما كان قبل الأزمة المالية، مع الإبقاء على إمكانية التدخل عند الحاجة.
وتؤكد دراسات داخلية للبنك المركزي أن تقليصًا كبيرًا في الميزانية العمومية قد يكون ممكنًا ضمن الإطار الحالي، لكن الانتقال إلى نموذج مختلف قد يتطلب سنوات من التنفيذ.
وفي المقابل، يشدد مسؤولون سابقون مثل لوريتا ميستر، الرئيسة السابقة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، على أن غياب إطار واضح لاستخدام الميزانية العمومية في السياسة النقدية يمثل فجوة في التواصل مع الأسواق.
وتشير التوقعات إلى أن أي تغيير في هذا الملف سيكون تدريجيًا، وسط انقسام واضح بين من يرى ضرورة تقليص دور الفيدرالي في الأسواق، ومن يحذر من أن ذلك قد يضعف استقرار النظام المالي.














