لم تعد الصين تكتفي بإرسال الأقمار الصناعية أو رواد الفضاء، في سباقها المحموم نحو السيادة الفضائية، بل قررت نقل "اللبنات الأولى للحياة" إلى المدار.
واستقبلت محطة الفضاء الصينية "تيانغونغ" (القصر السماوي) أجنة بشرية اصطناعية، صُنعت بالكامل من خلايا جذعية حية، لاختبار قدرة الجنس البشري على الاستمرار في بيئة قاسية لا ترحم، بعيدًا عن حماية الغلاف الجوي والجاذبية الأرضية.
لماذا أرسلت الصين أجنة بشرية للمدار؟
الهدف من مهمة "تيانتشو-10" ليس خلق أطفال في الفضاء في الوقت الراهن، بل فهم "المرحلة الحرجة" من التطور الجنيني.
الأجنة المستخدمة في هذه التجربة ليست أجنة طبيعية ناتجة عن عملية إخصاب، بل هي نماذج مخبرية متطورة تُعرف باسم "نماذج الأجنة" (Embryo models)، تحاكي الأجنة البشرية في عمر ما بين 14 و21 يومًا.
وتعتبر هذه الفترة هي الأخطر في حياة الإنسان، حيث يقرر فيها الجنين الالتصاق بجدار الرحم أو البدء في تنظيم نفسه لتشكيل الأعضاء الأساسية.
وتكمن أهمية هذه التجربة في مراقبة كيف يمكن لهذه الخلايا الجذعية أن "تتواصل" مع بعضها البعض لبناء هيكل الجنين في غياب الجاذبية.
ففي الأرض، تعتمد الخلايا على إشارات ميكانيكية مرتبطة بالجاذبية لتعرف أين تتجه وأي عضو تشكله، وفي الفضاء، يختفي هذا الدليل البصري والميكانيكي، مما قد يؤدي إلى نمو عشوائي أو توقف كامل للعملية الحيوية.
عقبات الجاذبية وشيخوخة الخلايا
لا تقتصر مخاطر الفضاء على الإشعاع الكوني الذي قد يمزق الحمض النووي ويسبب طفرات جينية قاتلة، بل تمتد إلى ما يسمى "التيه الخلوي".
وأثبتت الأبحاث التي أشرفت عليها الباحثة الصينية "ليتشيان يو" أن غياب الجاذبية يصيب الخلايا بفقدان الاتجاه، مما يقلل من احتمالية نجاح العمليات الحيوية المعقدة.
كما تم اكتشاف أن الخلايا الجذعية، وهي خلايا "شابة" بطبيعتها ولديها قدرة غير محدودة على الانقسام، تشيخ في الفضاء بمعدل أسرع بكثير من الأرض.
هذا التحدي يضع علامات استفهام كبرى حول جدوى استمرار الأجيال البشرية في مستعمرات المريخ المستقبلية. فإذا كانت الخلايا الجذعية التي تبني الجنين تشيخ قبل أن يكتمل نموه، فإن حلم "المواليد الفضائيين" قد يواجه عوائق بيولوجية لم تكن في الحسبان.
لذلك، تركز التجربة الصينية على مقارنة هذه العينات بـ "مجموعة ضابطة" على الأرض، لتحليل الفروق الدقيقة في التعبير الجيني ومعدلات انقسام الخلايا بدقة متناهية.
وقدمت الأكاديمية الصينية للعلوم (CAS) من هذه التجربة رسالة واضحة وصريحة مفاداها: "لكي نعيش على القمر أو المريخ بصفة دائمة، يجب أن نعرف أولًا كيف نولد هناك". إن نجاح هذه الأجنة الاصطناعية في النمو بشكل مستقر لمدة خمسة أيام في المدار سيعطي الضوء الأخضر للعلماء والشركات الخاصة للتفكير في تطوير تقنيات "التلقيح الاصطناعي الفضائي".
وقد يضطر البشر في المستقبل إلى الاعتماد على بيئات رحم اصطناعية تحاكي جاذبية الأرض داخل المستعمرات الفضائية، أو اللجوء إلى تعديلات جينية تجعل الخلايا أكثر مقاومة للإشعاع.














