أثارت النسخة الأخيرة من كأس العالم جدلًا واسعًا حول مدى تحكم المال في اللعبة الأكثر شعبية حول العالم، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من بعض القضايا، بدءًا من أسعار التذاكر الباهظة، مرورًا بفترات التوقف الإلزامية أثناء المباريات، وخطط زيادة عدد المنتخبات، وصولًا إلى سعي الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» إلى جذب مستثمرين لتمويل نشاطه التجاري.
وأعادت هذه التطورات طرح سؤال جوهري: هل أصبحت كرة القدم صناعة تجارية في المقام الأول، تُدار لتعظيم العائدات، على حساب متعة اللعبة وشغف الجماهير؟.
كأس العالم للبيع!
تُعد خطة الفيفا لإنشاء شركة جديدة باسم «فيفا فوروارد إنتربرايزز»، تتولى إدارة الأنشطة التجارية لكأس العالم وبطولات أخرى، مع طرح حصة أقلية منها بنحو 20% أمام مستثمرين خارجيين، من أحدث القضايا المثيرة للانتفادات على الساحة الرياضية، إذ يستهدف المشروع جمع نحو 4.2 مليار دولار، بما يقدر قيمة الشركة بنحو 20 مليار دولار، وسط دعم من شركة «ثرايف كابيتال» الاستثمارية التي يرأسها جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن المشروع واجه رفضًا حادًا من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف»، فيما هدد «يويفا» بمقاطعة مسابقات «فيفا» إذا مضى المشروع قدمًا، مؤكدًا أن «كأس العالم ليست للبيع». كما استقال كارلوس كورديرو، كبير مستشاري رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو، احتجاجًا على المقترح، معتبرًا أنها سيئة للاتحادات الأعضاء ولمستقبل اللعبة.
من جانبه، حاول الفيفا طمأنة معارضي الفكرة بالتأكيد على أن الشركة ستظل تحت سيطرته، وأن الهدف هو زيادة التمويل الموجه إلى الاتحادات الأعضاء، فيما يحتاج المشروع إلى موافقة أغلبية الاتحادات الـ211. لكن المعارضين يخشون أن يؤدي دخول رأس المال الخاص إلى فرض ضغط مستمر لتعظيم الأرباح ورفع قيمة الاستثمار.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تنامي حضور صناديق الاستثمار الخاصة في الرياضة؛ إذ تسمح دوريات أمريكية كبرى بامتلاك حصص محدودة في الأندية. ومع ارتفاع قيمة حقوق البث والرعاية، تتجه شهية المستثمرين إلى أصول رياضية جديدة، فيما تظل كأس العالم واحدة من أكثر المنتجات الرياضية جاذبية وربحية.
تسعير التذاكر.. فاتورة يدفعها المشجع
خلال مونديال 2026، كان المشجع هو أبرز المتضررين من التوسع التجاري، إذ تم اعتماد آلية "التسعير الديناميكي" للتذاكر التي تعتمد على حركة العرض والطلب، إلى جانب فرض رسوم على إعادة بيع التذاكر عبر منصته الرسمية.
وخلال المونديال تراوحت أسعار بعض تذاكر المباراة الافتتاحية في الولايات المتحدة بين 560 و2235 دولارًا، بينما يبدأ سعر أرخص تذكرة للنهائي من نحو 2030 دولارًا، ويصل أغلاها إلى 6000 دولار. وعلى الرغم من وجود تذاكر منخفضة السعر لبعض مباريات الدور الأول، إلا أنها مثلت نسبة محدودة من المقاعد.
ومع تكاليف السفر والإقامة، تبدو كأس العالم 2026 مرشحة لأن تكون الأغلى تاريخيًا بالنسبة للجماهير التي تحضر المباريات. ويزداد الأمر تعقيدًا بالنسبة لمشجعين من دول تحتاج إلى تأشيرات لدخول الولايات المتحدة، وسط فترات انتظار طويلة وإجراءات قد تجعل الوصول إلى البطولة صعبًا، ما يضع شعار «العالم مرحب به» أمام اختبار حقيقي.
استراحة الترطيب.. حماية أم تجارة؟
لم ينجُ المستطيل الأخضر من صدامات المال بكرة القدم، وكانت استراحة شرب الماء للاعبين التي تستمر نحو ثلاث دقائق في منتصف كل شوط، من أكثر قضايا كأس العالم إثارة للجدل.
وبرر الفيفا تلك الاستراحات القصيرة بأنها ضرورية لحماية اللاعبين من الحرارة والرطوبة، مستندًا في ذلك إلى بعض الآراء الطبية المؤيدة لأهمية التبريد في ظل الظروف المناخية القاسية. ولكن ما دفع البعض للتشكيك في أهدافها، هو التمسك بتطبيقها في مباريات أقيمت في أجواء معتدلة وملاعب مغلقة.
وذهبت بعض الآراء المنتقدة إلى أن استراحة الترطيب توفر فواصل مضمونة للبث التلفزيوني والإعلانات، كما تمنح المدربين فرصة لتقديم تعليمات تكتيكية وإعادة ترتيب فرقهم، ما يؤثر في مجريات المباريات. وأظهر تحليل نقلته صحيفة «ذا تايمز» أن زخم المباراة تغير بعد الاستراحة الأولى في 32% من مباريات دور المجموعات، بينما انخفض متوسط الزخم بنسبة 17% بعد فترات التوقف.
ولكن إنفانتينو نفى أن يكون الغرض من تلك الفواصل هو تحقيق أرباح مادية، مؤكدًا أن العقود التجارية أُبرمت قبل تطبيقها، لكن الاعتراضات تعكس مخاوف أوسع من أن تتحول كرة القدم تدريجيًا إلى صناعة تخدم في المقام الأول احتياجات السوق الإعلانية.
64 منتخبًا.. من أجل كرة القدم!
يدرس الفيفا رفع عدد المنتخبات المشاركة في بطولة كأس العالم 2030 إلى 64 منتخبًا، وذلك بعد زيادتها من 32 إلى 48 منتخبًا في نسخة 2026. وقد طرح الاتحاد الدولي مناقصة لدراسة الآثار الاقتصادية والرياضية للمقترح، بما يشمل الإيرادات المتوقعة من التذاكر والرعاية وحقوق البث، إلى جانب تأثيره في المنافسة، ورفاهية اللاعبين، والجدول الدولي.
وتتطلب الصفقة موافقة أغلبية أعضاء الفيفا الـ211، حيث تملك كل دولة صوتًا واحدًا، ما يمنح إنفانتينو فرصة لحشد دعم الاتحادات الصغيرة المستفيدة من التمويل، ويصعّب على القوى الكبرى عرقلة المقترح.
وتنقسم الآراء حول المقترح المحتمل ما بين مؤيد يرى أن الأمر سيسمح لمزيد من الدول بالمشاركة في البطولة، بينما حذر المعارضون ومن بينهم «يويفا» ورئيسه ألكسندر تشيفرين، من تخفيف مستوى المنافسة وزيادة إرهاق اللاعبين وازدحام جدول المباريات.
ولكن ما لا يمكن غض الطرف عنه، هو أن التوسع في عدد المنتخبات يحمل مكاسب تجارية واضحة، فإضافة 16 منتخبًا إضافيًا تعني مباريات أكثر، وتذاكر أكثر، وحقوق بث ورعاية أكبر. وبعد أن وصلت نسخة 2026 إلى 104 مباريات على مدى أكثر من خمسة أسابيع، يطرح التوسع الجديد سؤالًا حول الحد الذي يمكن أن تصل إليه شهية النمو.
أخيرًا، لا جدال في أن كرة القدم تُعد صناعة ضخمة تعتمد على حقوق البث والتذاكر والرعاية، ولكن المقلق حاليًا هو تحول المال لأداة تتحكم في سير البطولة برمتها، وذلك في ظل التطلعات الاستثمارية المتنامية في بطولات كرة القدم، وهذا الأمر يترك العديد من علامات الاستفهام حول استمرار الساحرة المستديرة في تقديم الترفيه المعهود دون أن تخسر شيئًا من روحها.













