تهاوى جمال موسيالا على أرضية الملعب للمرة الثانية خلال أربعة أيام في مباراة ودية أمام هايدنهايم، يوم الثلاثاء الماضي، وكان المشهد كافيا لإثارة الذعر، فلاعب في الـ23 من عمره يتمتع بلياقة استثنائية ينهار فجأة أمام أعين زملائه الذين أحاطوا به في دائرة صامتة، قبل أن يُساعد على مغادرة الملعب متمايلًا.
غير أن المفارقة الحقيقية في قصة نجم بايرن ميونخ لم تكن في السقوط نفسه، إنما فيما جاء بعده، إذ لم يبتعد موسيالا عن الرياضة بعد تشخيصه بنوبات الغياب الصرعية، وإنما عاد إليها بقرار شخصي واضح مدعوم بموافقة طبية كاملة. من هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يكون محور القصة كلها، هل تكون الملاعب الرياضية نفسها لا العزلة عنها هي الملاذ الأنسب لمن يعانون من اضطرابات عصبية كهذه؟
كتب موسيالا على إنستجرام رسالة تحمل نبرة هادئة رغم خطورة الموقف، موضحًا أنه تم تشخيصه بنوبات غياب مؤقتة وقصيرة لكنها قابلة للعلاج، ناتجة عن خلل عصبي. أضاف اللاعب الألماني أنه يتلقى رعاية طبية ممتازة، ويشعر بتفاؤل كبير حيال المرحلة المقبلة، وهو إعلان لم يكن مجرد تحديث صحي روتيني، إنما كسر لحاجز نفسي طالما ارتبط بمثل هذه التشخيصات في عالم الرياضة الاحترافية. والأهم أن موسيالا شدد على نقطة جوهرية حين قال، إنه «لا يوجد خطر صحي إضافي في الأمر»، مؤكدا أن قراره بمواصلة اللعب جاء بعد تشاور مستمر مع أطباء الأعصاب، وبرغبته الشخصية في مواجهة هذا التحدي. هذه الجملة وحدها تلخص جوهر الزاوية التي تستحق التوقف عندها، فالعودة إلى الملعب لم تكن تهورا من لاعب متعجل، إنما قرارا مدروسا يستند إلى فهم طبي دقيق لطبيعة حالته.
الصرع والرياضة معادلة أكثر تعقيدًا مما يُظن
يشيع اعتقاد خاطئ مفاده أن الإصابة بالصرع أو أي اضطراب مشابه يستوجب تلقائيًا الانسحاب من ممارسة الرياضة، غير أن الحقيقة الطبية تناقض هذا التصور تمامًا، فالجسد السليم يقود إلى دماغ أكثر سعادة واستقرارا، والنشاط البدني المنتظم يقلل فعليا من احتمالية حدوث النوبات حين يقترن بنوم جيد ومتابعة طبية منتظمة.
العامل الحاسم في تحديد إمكانية ممارسة الرياضة ليس التشخيص بحد ذاته، إنما توقيت آخر نوبة سُجلت، فإذا حدثت النوبة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة يصبح الدماغ في حالة حساسية تستدعي التدرج الحذر في أي نشاط بدني، أما كلما تباعد الزمن عن آخر نوبة كلما زادت هامش الأمان المتاح للرياضي.
هذا التدرج الزمني هو ما يفسر لماذا يمكن للاعب مثل موسيالا أن يعود إلى الملاعب الاحترافية بعد أيام قليلة من انهياره، فالقرار لم يكن اعتباطيًا، إنما محكوما بمعطيات طبية دقيقة يعرفها فريقه الطبي جيدًا.
ليست كل الرياضات متساوية حين يتعلق الأمر بحماية من يعانون تاريخًا من النوبات، فالرياضات التي تقلل من فرص التعرض لإصابات الرأس مثل الجولف والتنس والسباحة تحتل موقعا آمنا نسبيًا، في حين تتطلب الرياضات القتالية أو ذات الاحتكاك المباشر تدابير احترازية أكثر صرامة.
واللافت أن معظم الرياضات تبقى متاحة، بما في ذلك تلك التي تبدو للوهلة الأولى أكثر خطورة، شرط الالتزام الصارم بتوجيهات طبيب الأعصاب المعالج، والانتظام في تناول الأدوية الموصوفة، حتى الرياضات ذات الطابع التنافسي العنيف نسبيا كالهوكي وكرة القدم الأمريكية تبقى في متناول الرياضي المصاب بالصرع إذا لم يعترض طبيبه المختص، وهو ما يفسر جزئيا كيف واصل موسيالا مسيرته في رياضة تتضمن قدرا لا بأس به من الاحتكاك الجسدي.
خطة العودة المدروسة شرط لا غنى عنه
الأمر لا يقتصر على قرار عام بالعودة إلى الملعب، إنما يستدعي خطة تدريجية محكمة، فمن مضى على آخر نوبة أصابته سنوات يمكنه اتباع الاحتياطات ذاتها المعتادة لأي رياضي آخر، بينما يجد من عانى نوبة خلال الأشهر القليلة الماضية نفسه مقيدًا بضوابط أكثر صرامة تشمل تجنب اللعب الاحتكاكي في التدريبات إلى حين حصوله على موافقة طبية صريحة باستئناف النشاط الطبيعي.
وفي حالات معينة تفرض طبيعة الرياضة احتياطات خاصة، فالسباحون على سبيل المثال لا ينبغي أن يمارسوا السباحة بمفردهم دون إشراف، تحسبا لأي طارئ، أما الرياضيون في المستويات الاحترافية أو الجامعية فيُضاف إلى توجيهات طبيبهم الخاص التزام بلوائح الجهات الرياضية الحاكمة، وهو ما ينطبق تماما على وضعية موسيالا الذي يخضع لإشراف مزدوج من فريقه الطبي الخاص، ومن الأطر التنظيمية لبايرن ميونخ والبوندسليجا.
يبقى قرار الإفصاح عن التشخيص أمام الزملاء والجمهور مسألة شخصية بحتة لا تخضع لقاعدة ثابتة، فبعض الرياضيين يفضلون إخبار مدربيهم حتى بعد مرور وقت طويل على آخر نوبة، فيما يفضل آخرون الاحتفاظ بالأمر ضمن دائرة ضيقة جدا. وهذا بالضبط ما اختاره موسيالا حين أعرب عن رغبته في «الحفاظ على خصوصية هذا الأمر ومشاركته فقط مع أقرب دائرة معارفي، والنادي، والخبراء الطبيين»، وهو اختيار يعكس توازنا دقيقا بين الشفافية الضرورية تجاه الجمهور القلق من تكرار المشهد المقلق على الملعب، والحق الشخصي في الخصوصية إزاء تفاصيل حالته الصحية الدقيقة.
من الانهيار إلى الاستمرارية قصة أكبر من موسيالا نفسه
ما يجعل تجربة موسيالا أكثر من مجرد خبر رياضي عابر هو أنها تختصر عمليا كل ما تقوله الأدلة الطبية حول العلاقة بين الصرع والرياضة، فالحاجة إلى النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي لا تتوقف عند تشخيص طبي معين، والجسد السليم يظل شريكًا أساسيًا في بناء دماغ متوازن، سواء كان صاحبه يعيش مع اضطراب عصبي أو لا.
ويبقى الشرط الوحيد الثابت في كل هذا هو استمرار الرياضي تحت إشراف طبيب أعصاب متخصص، والالتزام الدقيق بتوجيهاته، وعندها يصبح بإمكانه ممارسة أي رياضة يرغب فيها دون قيود استثنائية. فهل تكون قصة موسيالا نقطة تحول في نظرة عالم الرياضة الاحترافية للاعبين الذين يواجهون تحديات عصبية مشابهة، أم ستبقى حالة استثنائية معزولة تنتظر رياضيين آخرين ليكسروا الصمت ذاته الذي كسره نجم بايرن ميونخ الشاب؟








