تعد الرضاعة الطبيعية قضية استراتيجية وسياسية في المقام الأول، إذ تجاوز حدود التغذية اليومية للطفل لتصل إلى قلب ملفات الاقتصاد والتنمية والصحة العامة والمساواة الاجتماعية، ولم تعد المسألة تقتصر على قرار فردي تتخذه الأم، بل أصبحت مقياسًا لقدرة الدول على حماية أجيالها القادمة، وتخفيف الأعباء المالية عن كاهل القطاعات الصحية، ومواجهة النفوذ التجاري لشركات بدائل حليب الأم.
حليب الأم.. بناء رأس المال البشري
وتعتبر منظمة الصحة العالمية واليونيسف حليب الأم بمثابة اللقاح الأول الذي يتلقاه الطفل في ساعاته الأولى، فهو يزوده بأجسام مضادة تقيه من الأمراض الحادة كالتهابات الرئة والإسهال، وتمنحه حماية طويلة الأمد ضد السمنة وداء السكري من النوع الثاني.
وعلى الجانب الآخر، تشير الدراسات إلى أن التوسع في الرضاعة الطبيعية يرفع من مستويات الذكاء والتحصيل الدراسي للأطفال، ما ينعكس مستقبلًا على كفاءة القوى العاملة وإنتاجيتها، ومن الناحية الاقتصادية، يقابل كل دولار يستثمر في دعم الرضاعة الطبيعية عائد اقتصادي يصل إلى 35 دولارًا، ناتج عن تقليل الإنفاق على المستشفيات والأدوية ورفع إنتاجية الأفراد في المستقبل، بينما تسبب المعدلات المنخفضة للرضاعة الطبيعية خسائر بمليارات الدولارات سنويًا في ميزانيات الدول.
مخاطر بدائل لبن الأم
ترتبط قضية تغذية الرضع بصناعة عالمية ضخمة لبدائل حليب الأم تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات، وتخوض المنظمات الدولية والحكومات صراعًا مستمرًا لحماية الرضاعة الطبيعية من التسويق الشرس والشرائح الترويجية المضللة التي تقنع الأسر بأن الحليب الصناعي يوازي أو يفوق حليب الأم قيمة غذائية.
ويزداد هذا التحدي خطورة في المجتمعات ذات الدخل المنخفض، حيث يترافق استخدام بدائل حليب الأم مع مياه غير آمنة أو أدوات غير معقمة، ما يعرض حياة الأطفال للخطر، لذلك تسعى الجهات الدولية لتطبيق المدونة الدولية لتسويق بدائل حليب الأم لضبط هذه الممارسات وحظر الترويج غير الأخلاقي.
حق الرضاعة في بيئات العمل
لا يمكن فصل الرضاعة الطبيعية عن ملف المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة العاملة، فالعديد من الأمهات يواجهن عقبات رئيسية عند عودتهن للعمل، تتمثل في غياب إجازات الأمومة مدفوعة الأجر، ونقص المساحات المخصصة لشفط الحليب أو الإرضاع داخل المنشآت.
وهذا الغياب للبيئات الداعمة يجبر النساء، وخاصة الأمهات المعيلات في المجتمعات الفقيرة، على اتخاذ قرار قسري بين التوقف عن الرضاعة أو فقدان مصدر دخلهن، كما تسعى السياسات الحديثة لتغيير النظرة المجتمعية السلبية تجاه الإرضاع في الأماكن العامة، وتحويلها من سلوك يتطلب الاختباء إلى حق طبيعي مكفول ومحمي بالقانون.
تجاوز صعوبات الرضاعة الأولى
تستلزم زيادة معدلات الرضاعة الطبيعية إعادة هيكلة الخدمات الصحية الوطنية لتقديم مشورة متخصصة وعالية الجودة للأمهات الجدد قبل الولادة وبعدها، وتعاني الكثير من الأنظمة الصحية حاليًا من نقص تدريب الكوادر الطبية على كيفية دعم الأم وتجاوز صعوبات الرضاعة الأولى.
لذا تركز التوصيات الدولية على بناء أنظمة دعم مستدامة تضمن تدريب الأطباء والممرضات، ودمج خدمات الرضاعة في مراكز الرعاية الأولية، وحماية المستشفيات من نفوذ شركات الحليب، لتوفير البيئة التي تمكّن الأم من ممارسة هذا الحق بثقة وأمان.














