خيم الحزن العميق على أرجاء كرة القدم العالمية عقب الإعلان عن رحيل أسطورة نادي إيه سي ميلان والمنتخب الإيطالي، فرانكو باريزي، عن عمر يناهز 66 عامًا، وقد عبّر النادي الإيطالي في بيان رسمي عن ألمه البالغ لفقدان قائده التاريخي، مؤكدًا أن مثال باريزي ونزاهته العالية سيظلان محفورين إلى الأبد في تاريخ النادي العريق، تمامًا كما هو حال قميصه الأيقوني صاحب الرقم 6.
وأوضح النادي، عبر موقعه الإلكتروني، أن الإعلان عن رحيل شخص جسّد قلب وروح إيه سي ميلان هو أمر في غاية الصعوبة، مشددًا على أن جميع منتسبي النادي وجماهيره مدعوون للارتقاء إلى مستوى الذكرى التي تركها هذا القائد الخالد الذي سيرشدهم دائمًا في مسيرتهم.
وكان باريزي قد خضع لعملية جراحية في شهر أغسطس من عام 2025 لإزالة عقدة في الرئة، بينما سجل آخر ظهور علني له في ملعب سان سيرو لحضور حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في شهر فبراير، ليرحل بعد مسيرة رياضية وإنسانية حافلة تركت أثرًا لا يُمحى في قلوب الملايين.
سيرة قائد استثنائي في ملعب سان سيرو
يُعد فرانكو باريزي، واحدًا من أواخر الأيقونات التي جسدت مفهوم "لاعب النادي الواحد"، إذ قضى مسيرته الكروية بأكملها التي امتدت لـ20 عامًا ارتدي خلالها قميص إيه سي ميلان فقط منذ عام 1977 وحتى اعتزاله في عام 1997، وخلال العقدين الاثنين، قاد باريزي الفريق كقائد لمدة 15 موسمًا متتاليًا، وشارك في 719 مباراة رسمية سجل خلالها 33 هدفًا، مساهمًا في تحقيق العصر الذهبي للنادي، وحصد باريزي مع ميلان 6 ألقاب في الدوري الإيطالي، و3 ألقاب في دوري أبطال أوروبا، و4 ألقاب في كأس السوبر الإيطالي، إضافة إلى لقبي كأس الإنتركونتيننتال ولقبين في السوبر الأوروبي.
وكان باريزي قد حظي في بداياته بلقب "بيسينين"، وهو مصطلح بلهجة ميلانو يعني الفتى النحيل والضعيف، أطلقه عليه الصحفي الشهير جياني بريرا عندما بدأ مسيرته في السبعينيات، واللافت أن باريزي كان قد خاض تجربة أداء في نادي إنتر ميلان بعمر الـ12 حيث كان يلعب شقيقه جوزيبي، لكن إنتر رفضه حينها، ليتجه إلى ميلان ويكتب تاريخًا خرافيًا.
وقد شكل باريزي جزءًا من أشهر خط دفاعي عرفته الكرة الأوروبية برفقة باولو مالديني وأليساندرو كوستاكورتا وماورو تاسوتي، وعلى الصعيد الدولي، شارك باريزي في 81 مباراة مع المنتخب الإيطالي، وكان ضمن القائمة الفائزة بلقب كأس العالم 1982، كما حل ثانيًا في سباق الكرة الذهبية عام 1989 خلف ماركو فان باستن في إنجاز استثنائي لمدافع في ذلك الوقت، وفي عام 2020، جرى تعيينه نائبًا لرئيس النادي الفخري، بعد سنوات من سحب قميصه رقم 6 تكريمًا لمكانته.
باريزي المُلهم
لم تخلُ مسيرة باريزي من اللحظات العصيبة التي أظهرت معدنه الصلب وقدرته الفائقة على التحدي، ولعل أبرز هذه اللحظات ما شهدته بطولة كأس العالم 1994، إذ تعرض باريزي لإصابة قوية في الركبة في بداية البطولة أبعدته عن معظم المباريات، ولكنه مع ذلك حقق معجزة طبية ورياضية بالعودة الخاطفة للمشاركة كقائد في المباراة النهائية أمام البرازيل.
وفي تلك المباراة الخالدة، قدم باريزي أداءً دفاعيًا استثنائيًا شلّ فيه حركة المهاجمين البرازيليين الخطيرين روماريو وبيبيتو، لتنتهي المباراة بالتعادل السلبي وتنتقل إلى ركلات الترجيح لأول مرة في تاريخ نهائيات المونديال، وعلى الرغم من أن باريزي أضاع ركلة الترجيح الأولى وخسرت إيطاليا اللقب بنتيجة 3-2، فإن الشارع الإيطالي لم يحمل عليه أي غضب، بل اعتبر عودته في تلك المباراة ملحمة كروية جسدت أسمى معاني التضحية من أجل القميص الوطني.
شهادات ورثاء لباريزي
انهالت كلمات الرثاء والتكريم لروح الأسطورة الراحل من مختلف أطياف كرة القدم والقيادات السياسية، فقد كتب رفيق دربه باولو مالديني كلمات مؤثرة يعبر فيها عن حجم الفراغ الذي تركه قائده، متسائلًا كيف سيتدبرون أمورهم دون قائد علمه القتال حتى آخر نفس؟، وأظهر له المعنى الحقيقي للإخلاص والقيادة، مشيرًا إلى أن باريزي حماه كطفل ووجهه كشاب وألهمه كبالغ، واصفًا إياه بأنه أعظم لاعب لعب إلى جواره.
ومن جانبه، أعاد الحارس الأسطوري جيانلويجي بوفون ذكريات مباراته الأولى بعمر 17 عامًا أمام باريزي عام 1995، موضحًا أن مواجهة أبطال بمستواه منحت الجميع فهمًا واضحًا لما تعنيه ممارسة كرة القدم بأخلاق عالية واحترام، وقدم الغريم التقليدي إنتر ميلان وداعًا محترمًا لرمز المواجهات الكبرى في ديربي ميلانو، مؤكدًا أن باريزي مثل نموذجًا منافسًا اتسم بالنزاهة والقيادة، كما أكد كريستيان تشيفو مدرب إنتر أن رحيله يمثل يومًا حزينًا للعالم أجمع.
وعلى المستوى السياسي والرياضي الرسمي، أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن حزنها لرحيل مثال الولاء والجدية والتفاني، بينما أشاد رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم جيواني مالاغو باختيار باريزي الرومانسي بالبقاء وفيًا لنادٍ واحد طوال حياته الكروية، وهو ما جعله يدخل قلوب الملايين من مشجعي الكرة حول العالم.














