يتجه الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" نحو مرحلة مفصلية غير مسبوقة في تاريخه، حيث يتوقع أن يتلقى أول تمويل خارجي ناتج عن خطط بيع جزء من حقوق مسابقاته بحلول نهاية شهر أكتوبر المقبل، وتقوم هذه الخطة المثيرة للجدل، التي يقودها رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، على تأسيس هيئة فرعية متخصصة لإدارة البطولات وفتح الباب أمام استثمارات وتدفقات مالية من القطاع الخاص.
ورغم التكتم الذي صاحب التحركات الأولى، أمهل الفيفا الاتحادات الأهلية البالغ عددها 211 اتحادًا حتى منتصف سبتمبر لإبداء الرأي والموافقة، مع تشديده على ضرورة الحصول على أغلبية مطلقة للمضي قدمًا في المشروع، وقد كشفت الوثائق المسربة عن جدول زمني صارم يبدأ بفتح أوراق الشروط أمام المستثمرين في أغسطس، مرورًا بتحديد المبالغ وتأكيد العقود في سبتمبر، وصولًا إلى توقيع الالتزامات النهائية وتحويل الأموال في نهاية أكتوبر.
ثورة أوروبية ضد الفيفا
أثارت هذه التحركات غضبًا عارمًا داخل الأوساط الكروية العالمية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الذي سارع إلى مناقشة الردود الممكنة وسط شعور عارم بالتهميش، يأتي هذا التطور الأخير تزامنًا مع عقد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم اجتماع طارئ اليوم الخميس لمناقشة رد فعله.
وتزايدت حالة الاحتقان عقب الكشف عن خطاب سابق يمنح الاتحادات مهلة محددة مقابل الحصول على دفعة مالية أولية قدرها 20 مليون دولار، وهو ما اعتبره اليويفا ابتزازًا صريحًا وتجاوزًا للخطوط الحمراء في إدارة اللعبة الشعبية.
ولعل ما زاد الأزمة اشتعالًا هو الغموض الذي أحاط بهوية المستثمرين الجدد، إذ كشفت التقارير عن قيادة شركة الاستثمار الخاصة "ثرايف إيتيرنال"، التابعة لجوشوا كوشنر، صهر إيفانكا ابنة الرئيس الأمريكي ترامب، للمشروع لشراء حصة تبلغ 20%، دون علم عدد من نواب رئيس الفيفا ورؤساء الاتحادات القارية والوطنية الكبرى كالاتحاد الإنجليزي.
ووصلت النبرة الحادة إلى حد مطالبة قيادات سابقة في الكرة الإنجليزية بالانسحاب من كأس العالم، وهو التهديد الذي يعول عليه البعض لإحباط الجدوى الاقتصادية للمشروع بأكمله.
الدفاع عن مشروع الفيفا الاستثماري
في المقابل، يدافع الاتحاد الدولي لكرة القدم عن رؤيته من خلال وثائق رسمية ومقاطع مصورة للرئيس إنفانتينو، مؤكدًا أن الخطوة لا تعدو كونها عرضًا اختياريًا وفرصة تاريخية لتسريع التنمية الكروية حول العالم وليست التزامًا مفروضًا قسرًا على الأعضاء، ويرى الفيفا أن الجزء الأكبر من القيمة التجارية المتنامية لكرة القدم يستقر في الفئات العليا ولا يصل إلى المناطق الأكثر احتياجًا لتطوير بنيتها التحتية، مشيرًا إلى أن هذه التمويلات ستسهم في بناء ملاعب حديثة، وتأسيس منتخبات وطنية قوية، ورعاية كرة القدم النسائية، ودعم قطاعات الشباب.
وتستشهد المنظمة الدولية بنماذج رياضية نجحت في استقطاب الاستثمارات الخاصة وتأسيس كيانات تجارية مستقلة مثل سباقات الفورمولا وان والدوري الإسباني والدوري الألماني، مع التأكيد الصارم على أن المستثمرين الأجانب لن يملكوا أي سلطة أو تأثير على القرارات الرياضية المتعلقة بكأس العالم.
هجوم على الفيفا من الدوريات ونقابات اللاعبين
ولم تقف عاصفة الانتقادات عند حدود الاتحادات القارية، بل امتدت لتشمل منظمة الدوريات الأوروبية والنقابة الدولية للاعبين المحترفين، إذ اعتبرت هذه الأطراف أن الاقتراح يمثل تطورًا متهورًا يعيد تشكيل الحوافز التي تقوم عليها الرياضة بصورة جذرية لا يمكن إصلاحها لاحقًا، وأكدت البيانات الصادرة عن هذه المؤسسات أن بطولة كأس العالم ليست أصلًا تجاريًا قابلًا للبيع أو التداول في أسواق رأس المال الخاص لحساب أشخاص بعينهم.
وازدادت حدة الهجوم مع تصريحات رئيس رابطة الدوري الإسباني خافيير تيباس، الذي اتهم إنفانتينو باستغلال أموال التنمية لشراء الأصوات وضمان البقاء في السلطة قبل المؤتمر المقبل للفيفا، مشددًا على أن الحقوق التجارية للمسابقات ليست ملكية شخصية، وأن دمج المال والسياسة بعيدًا عن الشفافية يمثل الهدم الفعلي لأسس الحوكمة الرشيدة في الكرة العالمية.













