تواجه المظلة النووية الأمريكية اختبارًا غير مسبوق، مع تزايد شكوك حلفاء واشنطن في مدى استعداد الولايات المتحدة لمواصلة توفير الضمانات الأمنية التي اعتمدوا عليها لعقود. وعلى مدى عقود، كان امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية أكبر ترسانة نووية في العالم تقريبًا يعني بالنسبة لكثير من حلفاء واشنطن شيئًا بسيطًا: لا حاجة إلى امتلاك القنبلة ما دامت واشنطن مستعدة للدفاع عنهم حتى بالسلاح النووي إذا لزم الأمر.
لكن هذه المعادلة التي شكلت أحد أعمدة النظام الأمني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تبدو أقل رسوخًا اليوم، مع تزايد الشكوك بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للاستمرار في تقديم الضمانة الأمنية نفسها، بالتزامن مع مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حلفاء بلاده بتحمل قدر أكبر من مسؤولية الدفاع عن أنفسهم.
وبحسب تقرير نشرته شبكة CNBC الأمركية، الأربعاء، بدأت دول حليفة للولايات المتحدة بالفعل إعادة النظر في خياراتها الدفاعية، وسط مخاوف من أن يؤدي تراجع الثقة في ما يعرف بـ"المظلة النووية الأمريكية" إلى إطلاق سلسلة من ردود الفعل تنتهي بزيادة عدد الدول الساعية إلى امتلاك قدرات ردع نووي.
مظلة أمريكية أقل ضمانًا
يقوم مفهوم "الردع النووي الممتد" على تعهد دولة نووية، مثل الولايات المتحدة، بحماية حلفائها غير النوويين باستخدام كامل قدراتها العسكرية، بما فيها الأسلحة النووية، وهو ما ساعد لعقود على إقناع دول متقدمة مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية بعدم تطوير ترساناتها الخاصة.
لكن استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 لم تتضمن إشارة مباشرة إلى "الردع الممتد"، في الوقت الذي يواصل فيه ترامب الضغط على الحلفاء لزيادة الإنفاق العسكري وتولي جانب أكبر من أعباء الدفاع عن أنفسهم.
ويرى أنكيت باندا، الباحث المتخصص في السياسة النووية بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، أن "حلفاء واشنطن باتوا ينظرون بصورة متزايدة إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا أقل انخراطًا وأقل موثوقية"، وهو تحول يدفع - برأيه - بعض الدول إلى البحث عن درجات مختلفة من ما يسميه "الاستقلال الاستراتيجي"، بجسب ما نقلت CNBC.
وجاء قرار ترامب الأخير بتقليص التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية ليضيف مزيدًا من القلق، خصوصًا في بلد يواجه كوريا الشمالية التي تمتلك ترسانة نووية متنامية.
وفي الوقت نفسه، بدأت واشنطن محادثات مع سول بشأن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي للأغراض السلمية.
ولا تعني هذه التحركات أن سول قررت السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، لكنها تكشف عن تحول أوسع في النقاش بشأن القدرات التي ترغب الدول في امتلاكها إذا أصبحت الضمانات الأمنية التقليدية أقل يقينًا.
أوروبا تبحث عن بدائل
القلق لا يقتصر على آسيا والشرق الأوسط، إذ تشهد أوروبا نقاشًا مشابهًا بشأن إمكانية تقليل الاعتماد على الترسانة الأمريكية.
في مارس الماضي، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيادة عدد الرؤوس النووية الفرنسية للمرة الأولى منذ عام 1992، بالتوازي مع طرح شراكة لـ"الردع المتقدم" يمكن من خلالها توسيع الحماية التي توفرها الترسانة الفرنسية لتشمل دولًا أوروبية أخرى.
وانضمت 9 دول، بينها ألمانيا واليونان، إلى المبادرة، في مؤشر على تزايد الاهتمام الأوروبي بمناقشة ترتيبات نووية كانت قبل سنوات قليلة شديدة الحساسية سياسيًا.
كما اقتربت ليتوانيا وفنلندا من مراجعة القيود التي تحظر نشر أسلحة نووية على أراضيهما، بينما عاد الجدل إلى اليابان بشأن المبادئ الثلاثة التي تتبناها منذ عقود والقائمة على عدم امتلاك أو تصنيع أو السماح بإدخال الأسلحة النووية إلى أراضيها.
لا أحد قرر صنع القنبلة.. ولكن!
حتى الآن، لا تعني أي من هذه التحركات أن موجة جديدة من الدول اتخذت قرارًا فعليًا بتطوير أسلحة نووية. لكن المشكلة، وفق الخبراء، تكمن في ما يعرف بـ"المعضلة الأمنية": فكلما حاولت دولة تعزيز أمنها بقدرات عسكرية أكثر قوة، قد يشعر خصومها بأن أمنهم تراجع، فيندفعون بدورهم إلى زيادة تسلحهم.
ويحذر أندرو فاسيني، الباحث في مجلس المخاطر الاستراتيجية، من أن تطوير قوة ردع نووية أو نشرها لا يحدث في فراغ، إذ يؤدي سريعًا إلى رفع مستوى التوتر ودفع الخصوم إلى البحث عن وسائل للرد.
ويأتي ذلك بينما تعمل القوى النووية التسع في العالم، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل، على تحديث ترساناتها.
وبحسب أرقام معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "SIPRI"، تمتلك الدول النووية مجتمعة أكثر من 12 ألف رأس نووي، يوجد أكثر من 9 آلاف منها ضمن المخزونات العسكرية، فيما نُشر نحو 4012 رأسًا على صواريخ وطائرات، ويوجد ما يصل إلى 2200 رأس في حالة تأهب مرتفعة.
وتستحوذ الولايات المتحدة وروسيا وحدهما على نحو 83% من الرؤوس النووية القابلة للاستخدام عسكريًا في العالم.
معاهدة عدم الانتشار أمام اختبار جديد
وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه منظومة الحد من الانتشار النووي ضغوطًا متزايدة، بينما قد فشلت جولة جديدة من المراجعة، التي عقدت في مقر الأمم المتحدة خلال مايو، في التوصل إلى توافق في الآراء، فيما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من أن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية "تتآكل".
ودخلت المعاهدة، المعروفة باسم معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، حيز التنفيذ عام 1970، قبل أن يتم تمديدها إلى أجل غير مسمى عام 1995.
وتقوم المعاهدة على اتفاق أساسي يقضي بأن تتعهد الدول غير النووية بعدم امتلاك أسلحة نووية، في مقابل تقاسم فوائد التكنولوجيا النووية السلمية، بينما تلتزم الدول النووية بالسعي نحو نزع السلاح النووي.
وهنا تكمن المفارقة التي يحذر منها الخبراء: فكلما تراجع شعور حلفاء الولايات المتحدة بأن المظلة الأمريكية تضمن أمنهم، زادت جاذبية الاعتماد على الذات، ومعها يصبح الخيار النووي -حتى وإن ظل بعيدًا- أقل استحالة مما كان عليه قبل سنوات.
وبذلك، قد لا يكون الخطر القادم سباقًا مباشرًا لبناء عشرات القنابل الجديدة، بقدر ما يتمثل في انهيار تدريجي لقاعدة استمرت لعقود: أن معظم دول العالم أكثر أمنًا من دون امتلاك سلاح نووي خاص بها.













