منذ تأسيسه عام 1904، تعاقبت على قيادة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) شخصيات أسهمت في رسم مسيرته، فبينما ركز بعضهم على توسيع انتشار اللعبة، قاد آخرون مرحلة التحول التجاري التي جعلت كرة القدم واحدة من أكبر الصناعات الرياضية في العالم.
وخلال تاريخها، تولى رئاسة الفيفا تسعة رؤساء، ترك عدد منهم بصمة واضحة في تطور الاتحاد ومسار اللعبة عالميًا. وفي هذا التقرير نستعرض أبرز القادة الذين أسهموا في تشكيل هوية الفيفا والتحولات التي شهدتها كرة القدم على مدار أكثر من قرن.
روبرت غيران.. مؤسس الفيفا
يُعد المؤسس الأول للاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا وأول رئيس في تاريخه، حيث تولى رئاسة الاتحاد بين عامي 1904 و1906. وجمع ممثلي سبعة اتحادات وطنية في باريس لتوقيع وثيقة تأسيس الاتحاد وإقرار أول نظام أساسي له. وفي 22 مايو 1904، انتُخب رئيسًا للفيفا وهو في الثامنة والعشرين من عمره، ليصبح أول من قاد الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وخلال فترة رئاسته، توسعت عضوية الفيفا بانضمام ثمانية اتحادات جديدة، من بينها الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، واضعًا بذلك الأسس الأولى لنمو الاتحاد وانتشاره على المستوى الدولي. وتوفي غيران عام 1952، بعدما ارتبط اسمه ببداية مسيرة الفيفا وانطلاقها نحو العالمية.
جول ريميه.. صاحب فكرة كأس العالم
يُعد أحد أبرز الشخصيات في تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، إذ تولى رئاسة الاتحاد بين عامي 1921 و1954، وهي أطول فترة رئاسة آنذاك. وخلال مسيرته، لعب دورًا محوريًا في تحويل كرة القدم إلى لعبة ذات حضور عالمي، حتى أصبح من أكثر الرؤساء تأثيرًا في تاريخ الفيفا.
ارتبط اسم ريميه بإطلاق بطولة كأس العالم، بعدما قاد الجهود لتأسيسها مستلهمًا نجاح منافسات كرة القدم في الألعاب الأولمبية، لتقام النسخة الأولى في أوروغواي عام 1930. وكان يؤمن بأن الرياضة تمثل وسيلة لتعزيز التقارب بين الشعوب، وهو ما دفعه إلى مواصلة تطوير البطولة رغم التحديات التي فرضتها الحرب العالمية الثانية.
أشرف ريميه على تنظيم أول خمس نسخ من كأس العالم، وأسهم في ترسيخ البطولة كأهم حدث كروي على مستوى العالم. وخلال فترة رئاسته، ارتفع عدد الاتحادات الأعضاء في الفيفا من 20 إلى 85 اتحادًا، في خطوة عززت انتشار اللعبة واتساع نفوذ الاتحاد الدولي.
وفي عام 1946، أُطلق اسم "كأس جول ريميه" على كأس العالم تكريمًا لإسهاماته في تأسيس البطولة وتطويرها. وعقب انتهاء ولايته في يونيو 1954، مُنح لقب الرئيس الفخري للفيفا تقديرًا لمسيرته.
جواو هافيلانج.. قاد الفيفا إلى العالمية
يُعد أحد أكثر رؤساء الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا تأثيرًا في تاريخه، إذ تولى رئاسة الاتحاد بين عامي 1974 و1998. وشهدت فترة قيادته تحولًا كبيرًا في مكانة الفيفا، سواء من حيث الانتشار العالمي أو التطور التنظيمي والتجاري.
وخلال فترة رئاسته، توسعت بطولة كأس العالم من 16 إلى 32 منتخبًا، مع زيادة تمثيل منتخبات آسيا وإفريقيا وكونكاكاف وأوقيانوسيا. كما أطلق الاتحاد بطولات جديدة، أبرزها كأس العالم تحت 17 عامًا، وكأس العالم تحت 20 عامًا، وكأس العالم للسيدات، وكأس القارات. وعززت الفيفا حضورها العالمي ونمت أنشطتها التجارية والتنظيمية، لتتحول إلى واحدة من أكبر المؤسسات الرياضية وأكثرها تأثيرًا على مستوى العالم.
ورغم إنجازاته في تطوير الفيفا وتوسيع حضورها العالمي، ارتبط اسم هافيلانج ببعض الجدل خلال مسيرته، إذ واجه اتهامات تتعلق بتلقي هدايا ورشاوى مرتبطة بعلاقاته الإدارية والرياضية. وفي عام 2011، فتحت اللجنة الأولمبية الدولية تحقيقًا بشأن مزاعم حصوله على مليون دولار من شركة تسويق رياضي مقابل استمرارها كمسوّق حصري للفيفا، قبل أن يستقيل من اللجنة الأولمبية الدولية ويغلق التحقيق لاحقًا.
سيب بلاتر.. التوسع العالمي قبل أزمة الفساد
يُعد سيب بلاتر أحد أبرز الشخصيات التي تولت قيادة الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، حيث شغل منصب رئيس الاتحاد خلال الفترة من 1998 حتى 2015، وهي مرحلة شهدت توسعًا كبيرًا في انتشار كرة القدم عالميًا، إلى جانب نمو القوة الاقتصادية للفيفا وتحولها إلى مؤسسة رياضية ذات نفوذ عالمي واسع.
انضم بلاتر إلى الفيفا عام 1975 مديرًا للقسم الفني، وأسهم في تطوير عدد من مشاريع الاتحاد، قبل أن يتولى منصب الأمين العام عام 1981. وفي عام 1998، انتُخب رئيسًا للفيفا خلفًا للبرازيلي جواو هافيلانج، ليبدأ فترة قيادة استمرت 17 عامًا.
خلال رئاسته، شهدت الفيفا توسعًا في عدد من البطولات والمسابقات، من بينها كأس العالم للسيدات، وكأس العالم للأندية، وبطولات الفئات السنية، كما عزز الاتحاد حضوره في الأسواق النامية، خاصة في قارتي آسيا وأفريقيا، مع زيادة الاستثمارات في برامج تطوير كرة القدم.
ورغم هذه التحولات والنمو المالي الكبير للفيفا خلال فترة قيادته، ارتبط اسم بلاتر لاحقًا بجدل واسع حول قضايا فساد داخل الاتحاد. وفي عام 2015، وبعد تصاعد التحقيقات التي طالت عددًا من مسؤولي الفيفا، أعلن استقالته من منصبه، قبل أن تصدر بحقه عقوبات من لجنة الأخلاقيات في الفيفا، تضمنت إيقافه عن ممارسة أي نشاط متعلق بكرة القدم بسبب مخالفات أخلاقية ومالية.
جياني إنفانتينو.. عصر التوسع الحديث للفيفا
يتولى رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا منذ عام 2016، بعد انتخابه خلفًا لسيب بلاتر عقب أزمة الفساد التي شهدها الاتحاد. وقبل ذلك، شغل منصب الأمين العام للاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، وأسهم في تطوير عدد من البطولات واللوائح المالية.
منذ توليه رئاسة الفيفا، قاد إنفانتينو مرحلة توسع كبيرة في بطولات الاتحاد، أبرزها زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم 2026 إلى 48 منتخبًا، وإطلاق النسخة الموسعة من كأس العالم للأندية، إلى جانب تعزيز برامج تطوير الاتحادات الوطنية وارتفاع إيرادات الفيفا إلى مستويات قياسية.
ورغم النجاحات التجارية والتنظيمية، واجه إنفانتينو انتقادات وجدلًا بشأن بعض قراراته، من بينها آلية اختيار الدول المستضيفة للبطولات، وعلاقاته مع عدد من القادة السياسيين، إضافة إلى الانتقادات التي رافقت كأس العالم للأندية بنظامه الجديد. ومع ذلك، يواصل قيادة الفيفا في مرحلة تشهد توسعًا غير مسبوق في بطولاتها وأنشطتها العالمية.
اقرأ أيضًا:
خلف البطولات الكبرى.. ما تجنيه الفيفا من عالم كرة القدم
حقبة جديدة للديوك: زيدان يقود منتخب فرنسا
ما وراء الملاعب.. كيف تُدار منظومة الفيفا؟














