بعد سنوات طويلة ارتبط فيها منتخب إنجلترا بالإخفاقات في البطولات الكبرى، بات اليوم أحد أبرز المرشحين للمنافسة على الألقاب. فمع تألق جود بيلينجهام وهاري كين، وصل "الأسود الثلاثة" إلى الدور نصف النهائي أو أبعد في أربع من آخر خمس بطولات كبرى، وهو إنجاز لا يسبقه فيه خلال هذه الفترة سوى الأرجنتين وفرنسا.
ويستعد المنتخب الإنجليزي لمواجهة الأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، في أول مواجهة تجمعه بليونيل ميسي، وحتى إذا توقفت مسيرته عند هذا الدور، فإن المنتخب بات يملك مشروعًا طويل الأمد يجعله منافسًا دائمًا، وليس مجرد فريق يعيش فترة نجاح عابرة.
نهاية عُقدة الوداع المبكر في البطولات
قبل أقل من عقد، كان الحديث عن إنجلترا كمرشح دائم للألقاب يبدو بعيدًا عن الواقع. ففي يورو 2016 خرج المنتخب من دور الـ16 أمام أيسلندا، وقبلها ودع كأس العالم 2014 من دور المجموعات بعدما حصد نقطة واحدة فقط، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية "BBC".
لكن الصورة تغيرت منذ ذلك الحين. فقد بلغ المنتخب نصف النهائي أو النهائي في معظم البطولات الكبرى، ووصل إلى نهائي يورو 2021، قبل أن يخسر بركلات الترجيح أمام إيطاليا، ثم خسر نهائي يورو 2024 أمام إسبانيا بنتيجة 2-1.
كما سجل هاري كين وجود بيلينجهام 11 هدفًا من أصل 13 هدفًا لإنجلترا في كأس العالم الحالية، ولطالما ارتبطت إنجلترا بذكريات الخروج المؤلم من البطولات، سواء ببطاقة ديفيد بيكهام الحمراء أمام الأرجنتين في كأس العالم 1998، أو طرد واين روني أمام البرتغال في مونديال 2006، أو هدف رونالدينيو الشهير في مرمى ديفيد سيمان عام 2002، فضلًا عن الفشل في التأهل إلى يورو 2008.
كما أن "الجيل الذهبي" الذي ضم عددًا من أبرز النجوم لم ينجح في تجاوز الدور ربع النهائي، أما اليوم، فقد اعتاد الجيل الجديد من الجماهير رؤية المنتخب في الأدوار المتقدمة، بعدما خاض نهائيين ونصف نهائيين خلال ثماني سنوات.
وقاد غاريث ساوثغيت هذا التحول، قبل أن يتولى الألماني توماس توخيل مهمة قيادة الفريق نحو الخطوة التالية، وهي الفوز بلقب كبير، ولا يقتصر النجاح على منتخب الرجال، إذ فازت سيدات إنجلترا بلقبين متتاليين في بطولة أوروبا، كما حل المنتخب وصيفًا لكأس العالم للسيدات 2023.
مشروع قومي للحلم الإنجليزي
يرجع هذا التطور إلى خطة طويلة الأمد بدأت في عام 2012، عندما أطلقت رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز برنامج تطوير أداء اللاعبين النخبة "EPPP"، الذي أعاد هيكلة أكاديميات كرة القدم، ومنذ ذلك الحين، جرى استثمار أكثر من 3.2 مليار جنيه إسترليني في تطوير اللاعبين الشباب، والتدريب، والمرافق.
وفي العام نفسه افتتح الاتحاد الإنجليزي مركز منتزه سانت جورج، الذي أصبح المقر الرئيسي لتدريب جميع المنتخبات الوطنية، ولم تظهر نتائج المشروع فورًا، لكنها بدأت تتضح مع نجاح منتخبات الفئات السنية؛ إذ فاز منتخب تحت 17 عامًا ببطولة أوروبا عام 2014، ثم أحرز منتخبا تحت 20 عامًا وتحت 17 عامًا كأس العالم في 2017، كما توج منتخب تحت 19 عامًا ببطولة أوروبا في العام نفسه بعد غياب 24 عامًا.
وتكرر النجاح لاحقًا، بعدما فاز منتخب تحت 19 عامًا ببطولة أوروبا في 2022، ثم توج منتخب تحت 21 عامًا باللقب في عامي 2023 و2025، بعدما كان آخر تتويج له يعود إلى عام 1984.
ورغم أن أكثر من 12 ألف لاعب يمرون عبر نظام الأكاديميات، فإن 91% منهم لا يخوضون أي مباراة احترافية، لكن البرنامج نجح في إنتاج جيل جديد من النجوم، يتقدمه جود بيلينجهام، وديكلان رايس، وبوكايو ساكا، وإليوت أندرسون.
كما أصبح عمق التشكيلة يسمح لتوماس توخيل باستبعاد لاعبين مثل ترينت ألكسندر أرنولد، وكول بالمر، وفيل فودين، مع استمرار المنتخب في المنافسة على أعلى مستوى.
ويواصل المشروع تقديم أسماء جديدة، مثل أليكس سكوت، وجوش كينج، وإيثان نوانيري، وريو نجوموها، إضافة إلى ماكس داومان، لاعب أرسنال البالغ 16 عامًا، الذي لفت الأنظار بأرقامه القياسية المبكرة في الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا.
خطوة واحدة على اللقب
يرى كثيرون أن إنجلترا تجاوزت عقدة الماضي، وأصبحت تنافس بفضل جودة مشروعها وليس اعتمادًا على تاريخها، لكن يبقى الهدف الأكبر أمام توماس توخيل ولاعبيه، وهو الفوز على الأرجنتين وبلوغ نهائي كأس العالم للمرة الثانية فقط في تاريخ المنتخب.
وبالنسبة لهاري كين ورفاقه، فإن الوصول إلى نصف النهائي أو النهائي لم يعد كافيًا، فالخطوة الأخيرة التي تنقص هذا المشروع هي رفع كأس العالم.












