تحولت المراهنات خلال كأس العالم 2026 من نشاط هامشي يرافق البطولة العالمية إلى صناعة ضخمة باتت جزءًا أصيلًا من المشهد المحيط بالمونديال، إذ شهدت منصات المراهنات التقليدية وأسواق التنبؤات زخمًا كبيرًا وتدفقات بمليارات الدولارات والتي لم تنحصر رهانات الجمهور فيها عل تحديد هوية الفريق الفائز بل امتدت إلى أدق التفاصيل خلال المباريات.
وقبل انطلاق البطولة، اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم منصة ADI Predictstreet شريكًا رسميًا لسوق التنبؤات لكأس العالم 2026، لتقدم للمشجعين طريقة جديدة للتفاعل مع المباريات عبر التنبؤ بما قد يحدث لاحقًا، ورصد تحولات اللعب، واستشراف اللحظات الحاسمة قبل وقوعها. وتقدم المنصة نفسها باعتبارها سوقًا للتنبؤات قائمًا على المشاركة والشفافية و«الذكاء الجماعي»، بهدف تحويل آراء المشجعين وتوقعاتهم إلى إشارات آنية تعكس كيفية قراءتهم لمجريات المباراة.
على الجانب الآخر، بلغ حجم المراهنات على هوية الفائز عبر منصتي «بولي ماركت» و«كالشي» وحدهما بحلول المباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين، ما يزيد عن 5.69 مليار دولار، كما امتدت المراهنات إلى الفائز بالمركز الثالث، وهداف البطولة، وحتى تفاصيل يمكن أن يقولها المعلقون أو مستقبل النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي.
وأدى هذا الإقبال المتزايد على المراهنات إلى تحويل البطولة العالمية من مجرد متابعة لمواجهات رياضية ترضي شغف الجماهير، إلى باب لتحقيق الأرباح المادية عبر أسواق شهيرة للمراهنات. وأثار هذا الزخم تساؤلات ومخاوف بشأن نزاهة المنافسات، وفتح باب الانتقادات لدور الفيفا في تنظيم العلاقة بين كرة القدم وأسواق التنبؤات.
مونديال 2026.. أكبر حدث للمراهنات
مع توسّع عدد المنتخبات المشاركة في نسخة كأس العالم 2026 إلى 48 منتخبًا ارتفع عدد المباريات إلى 104، وأدى ذلك إلى خلق مساحة غير مسبوقة للمراهنات. كما استفادت البطولة من اتساع نطاق إتاحة المراهنات الرياضية القانونية في الولايات المتحدة، مقارنة بنسخة 2022 التي أقيمت في دولة قطر، بخلاف الشعبية المتزايدة لكرة القدم في الولايات المتحدة التي دفعت شركات المراهنات إلى الاستثمار بكثافة في الحدث.
وقبل إقامة البطولة، ذهبت التوقعات إلى أن نسخة 2026 من كأس العالم ستحقق رهانات عالمية بقيمة 50 مليار دولار مقابل أكثر من 35 مليار دولار في نسخة 2022. وفي الولايات المتحدة وحدها، قدر بنك دويتشه حجم المراهنات بنحو 3.3 مليار دولار. أما أسواق التنبؤات، فشهدت نموًا لافتًا بالتزامن مع البطولة. وارتفع حجم التداول على «كالشي» و«بولي ماركت» إلى مستويات قياسية، فيما تجاوز إجمالي التداول على منصات التنبؤات 50 مليار دولار خلال يونيو، مقارنة بنحو ملياري دولار في الشهر نفسه من العام السابق، وفق بيانات نقلتها تقارير متخصصة.
وبالتوازي مع ارتفاع حجم المراهنات، توسّعت قاعدة المستخدمين لمنصات المراهنات، ارتفع عدد تنزيلات تطبيق «كالشي» إلى نحو 270 ألفًا في أسبوع انطلاق البطولة، مقابل نحو 60 ألف تنزيل قبل أسبوعين فقط. كما دفعت الحملات الإعلانية المكثفة المشجعين إلى تجربة المراهنة للمرة الأولى، حتى تحولت لدى بعضهم إلى جزء من تجربة متابعة المباريات نفسها.
كل شيء قابل للرهان!
ظلت هوية الفائز لفترة طويلة هي المحرك الأكبر لأسواق المراهنات المتعلقة ببطولات كرة القدم، ولكن مع التطور والتوسع الكبيرين، أصبحت جميع التفاصيل خاضعة للتنبؤ والرهان، من نتيجة المباراة للوقت الإضافي وعدد الأهداف والضربات الركنية والهدافين، إلى جانب رهانات مركّبة تتضمن أكثر من احتمال.
وغيّرت المراهنات منظور المشجعين لمباريات كرة القدم، وتحولت كل ركلة ركنية أو بطاقة أو تسديدة إلى حدث يمكن أن يتحول إلى ربح أو خسارة. وفي إحدى الحالات، استخدمت واحدة من المراهِنات تطبيق «كالشي» أثناء حضور مباراة إسبانيا وبلجيكا، وراهنَت على عدد الركنيات، قبل أن تشجع الجمهور من حولها على متابعة العدد معها.
وحقق صعود الأرجنتين للدور النهائي مكاسب ضخمة لشركات المراهنات، إذا كان الفريق الذي يقوده ليونيل ميسي هو الأكثر شعبية بين المراهنين، ولكن التعادل السلبي في الوقت الأصلي ثم فوز إسبانيا في الوقت الإضافي أدى إلى خسائر كبيرة للمراهنين على الأرجنتين، بينما حققت شركات المراهنات نتائج إيجابية في عدد من الأسواق.
وسجلت «سيزرز سبورتس بوك» رقمًا قياسيًا جديدًا في حجم الأموال المتداولة وعدد الرهانات والمراهنين الفريدين خلال النهائي، متجاوزة رقمها القياسي السابق بنحو 65%. كما اعتبرت شركات أخرى المباراة تتويجًا لبطولة حققت نشاطًا استثنائيًا في المراهنات طوال شهر كامل.
الفيفا وترويج إدمان المراهنات
أدى توسّع سوق المراهنات والانتشار السريع لها إلى وضع فيف في مرمى اتهامات تحويل نشاط ترفيهي يرتبط بموسم ما إلى عادة يومية وإتاحة أنواع مختلفة من الرهانات، خصوصًا مع زيادة عدد المباريات التي امتدت على مدار شهر مدفوعة بزيادة عدد المنتخبات المشاركة في المونديال.
وبحسب خبراء المراهنات، فإن تصميم تطبيقات المراهنات يدفع المستخدم إلى البقاء متفاعلًا لأطول وقت ممكن، عبر الإشعارات والعروض الترويجية والرهانات المباشرة، ما قد يزيد احتمالات الإدمان. وتزداد المخاوف مع سهولة إنشاء حسابات متعددة للاستفادة من العروض، وهي ممارسة أقر بها نحو ربع المشاركين في استطلاع أجرته شركة «سيون» المتخصصة في مكافحة الاحتيال.
وكشفت بيانات الاستطلاع أن جيل الألفية كان من أكثر الفئات ميلًا إلى المراهنة، في وقت أصبحت فيه أسواق التنبؤات أكثر جذبًا للمستخدمين، خصوصًا لأنها تقدم نفسها أحيانًا بطريقة أقرب إلى التداول المالي من المراهنات التقليدية.
هل أثرت المراهنات على نزاهة كأس العالم؟
ترك التوسع في المراهنات الكثير من علامات الاستفهام على نزاهة المنافسات في مونديال 2026، إذ تزايدت المخاوف من تحكم الأموال المتداولة في سير المباريات، بناءً على معلومات داخلية، والتلاعب، واستغلال المعلومات غير المتاحة للجمهور، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالرهانات الدقيقة على أحداث صغيرة داخل المباريات.
كما اندلعت معارك قانونية حول طبيعة أسواق التنبؤات. فقد رفعت أكثر من 12 ولاية أمريكية دعاوى ضد «كالشي» و«بولي ماركت»، بحجة أن بعض أنشطتهما تندرج ضمن المراهنات الرياضية المحظورة أو غير المرخصة بموجب قوانين الولايات. وفي المقابل، تستند منصات التنبؤات إلى طبيعة مختلفة لنشاطها، وسط جدل حول الجهة التي تملك صلاحية تنظيم هذه الأسواق.
وتصاعدت المخاوف من دخول شركات التقنية والإعلام والرياضة إلى هذا المجال، بعدما اتجهت شركات كبرى إلى إطلاق أسواق تنبؤات خاصة بها أو الاستثمار فيها، بينما أصبحت شركات المراهنات التقليدية نفسها توسع عروضها لتشمل خيارات أكثر تعقيدًا وتنوعًا. وأمام تلك الشكوك، أعلنت فرقة عمل النزاهة التابعة للفيفا عدم رصد أي نشاط مراهنات مشبوه أو مؤشرات على التلاعب بنتائج المباريات خلال كأس العالم 2026، بعد مراقبة أسواق المراهنات وأحداث المباريات.
واعتمدت الفرقة على تعاون واسع بين الاتحادات الرياضية وأجهزة إنفاذ القانون والمنظمات الدولية وشركات متخصصة في نزاهة الرياضة وتحليل البيانات، لتقييم أي مؤشرات محتملة والتعامل معها سريعًا. وأكدت الفيفا استمرار هذا التعاون لحماية البطولات المقبلة من مخاطر التلاعب بنتائج المباريات.














