انخفضت الواردات الأميركية المباشرة من الصين بنسبة 40% خلال العام المنتهي في يونيو، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، لكن تراجع الواردات المباشرة لا يعني تراجع اعتماد الولايات المتحدة على المنتجات الصينية، إذ لا تزال نسبة كبيرة من القيمة المضافة لهذه المنتجات مرتبطة بالصين، التي وجدت طريقها إلى السوق الأميركية عبر دول أخرى.
ومع تشديد واشنطن القيود على الواردات الصينية، لجأت بعض المنتجات والمكونات الصينية إلى طرق غير مباشرة للوصول إلى السوق الأميركية، في عملية تُعرف بـ (إعادة الشحن). وأشار تحليل لوزارة التجارة الأميركية إلى أن بضائع صينية بقيمة 67 مليار دولار أُعيد شحنها عبر المكسيك والهند وفيتنام خلال عام 2025، ما يجعل بلد التصدير الظاهر مختلفًا عن المصدر الأصلي للمنتج أو مكوناته.
لجأت الإدارة الأميركية إلى أدوات جديدة لمواجهة هذه الممارسات، من بينها نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمراجعة وثائق الشحن وتتبع مسارات البضائع واكتشاف المنتجات التي أُعيد توجيهها، ولكن هذه الإجراءات لن تعالج المشكلة من جذورها، إذ لم تنجح الجهود المستمرة لتعزيز التصنيع في زيادة وظائف القطاع بشكل ملحوظ. كما أن تشديد الرقابة والرسوم الجمركية لن يخفض بالضرورة فاتورة الواردات الأميركية أو يحد من الصادرات الصينية، التي واصلت نموها رغم جهود الولايات المتحدة للحد منها.
اليوان.. مفتاح الصادرات الصينية
وهنا تبرز مشكلة أعمق تتمثل في انخفاض قيمة اليوان الصيني، الذي يعزز تنافسية المنتجات الصينية في الأسواق العالمية، ويدعم استمرار صادراتها الضخمة. وقد يسهم رفع قيمة اليوان في الحد من تدفق هذه الصادرات، التي لا تؤثر في السوق الأميركية فحسب، بل تزيد الضغوط على الصناعات في دول أخرى حول العالم.
المثير للحيرة أن الولايات المتحدة تمتلك أداة تستهدف بشكل مباشر أحد العوامل الرئيسية وراء الصادرات الصينية الضخمة، وهي: انخفاض قيمة اليوان الصيني، فارتفاع قيمة العملة الصينية قد يجعل صادراتها أقل تنافسية، ويسهم في الحد من تدفقها إلى الأسواق العالمية.
ومع ذلك، لا يرتبط الفائض التجاري الصيني باليوان وحده؛ فضعف استهلاك الأسر داخل الصين يدفع الصين إلى الاعتماد على المستهلكين الأجانب لدعم النمو الاقتصادي، بينما يرتبط العجز التجاري الأميركي بعوامل أخرى، أبرزها ضخامة عجز الموازنة وحاجته إلى التمويل من المدخرات الأجنبية.
ضعف اليوان، مثل القوة النسبية للدولار، يعكس هذه الاختلالات الاقتصادية، ما يعني أن سعر الصرف انعكاس للمشكلة وليس سببها الوحيد. لذلك، فإن رفع قيمة اليوان بقرار مباشر دون معالجة المشكلات الاقتصادية الأخرى قد يبطئ نمو الاقتصاد الصيني، بينما معالجة هذه الاختلالات قد تدفع العملة إلى الارتفاع بشكل طبيعي.
لكن انتظار الصين لمعالجة ضعف الاستهلاك المحلي، أو انتظار الولايات المتحدة لتقليص عجز موازنتها، قد يستغرق وقتًا طويلًا. لذا قد يشكل الضغط على سعر الصرف وسيلة لدفع الطرفين نحو معالجة هذه الاختلالات.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع حجم تأثير الصادرات الصينية على اقتصادات بقية العالم. فقد ارتفعت حصة الصين من صادرات التصنيع العالمية من 3% إلى 20% منذ عام 1995، كما تستحوذ على أكثر من نصف الصادرات العالمية في مئات المنتجات الصناعية، ويُقدَّر فائضها في الحساب الجاري بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس حجم تأثير صادراتها في اقتصادات العالم.
وتشير التجارب السابقة إلى قوة تأثير أسعار الصرف على حركة التجارة. فقد ساعد اتفاق بلازا في ثمانينيات القرن الماضي على تقليص العجز التجاري الأميركي مع اليابان، كما تراجع الفائض الخارجي للصين مع ارتفاع قيمة اليوان بعد الأزمة المالية العالمية. وفي المقابل، ارتبط انخفاض قيمة اليوان منذ عام 2023 بارتفاع الفائض الخارجي الصيني.
ويشير براد سيتسر من مجلس العلاقات الخارجية إلى أن تعديل سعر صرف اليوان قد يساعد على إعادة التوازن الاقتصادي والحد من الصادرات الصينية، فيما قد يدفع تباطؤ الصادرات بكين إلى تنشيط الاستهلاك المحلي. كما أن انخفاض الفائض التجاري الصيني قد يقلص التمويل الأجنبي المتاح لعجز الموازنة الأمريكية.
ولزيادة فاعلية الضغط، يمكن للولايات المتحدة التنسيق مع أوروبا ودول آسيوية متضررة من الصادرات الصينية، والاستفادة من أدوات مثل المادة 301 من قانون التجارة، التي تتيح فرض رسوم جمركية على الدول التي تتعمد خفض قيمة عملاتها.
لكن تغيير الصين لسياستها تجاه سعر الصرف لن يكون سهلًا، ما يتطلب من واشنطن استخدام أدوات الضغط بحذر، والتنسيق مع حلفائها، مع إبقاء باب خفض التصعيد مفتوحًا. ومع ذلك، قد يكون الضغط المباشر على الصين بشأن قيمة اليوان أكثر فاعلية من الاكتفاء بملاحقة الدول التي تمر عبرها المنتجات الصينية، خصوصًا مع استمرار نمو الصادرات الصينية رغم القيود الأميركية.














