تسعى الصين إلى تقليص النفوذ العالمي للدولار الأمريكي، إلا أن هذا الهدف يواجه تحديات معقدة تجعل تحقيقه أكثر صعوبة مما يبدو. فقد أظهرت السنوات الأخيرة بوادر خلل محدودة في النظام النقدي الدولي الذي يتمحور حول العملة الأمريكية، وهو ما تراه بكين فرصة محتملة لإعادة تشكيل موازين القوة المالية، غير أن ترجمة هذه الطموحات إلى واقع عملي لا تزال مهمة شاقة.
وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي توجهها دول عدة لطريقة إدارة الولايات المتحدة للدولار واستخدامه كأداة نفوذ، فإن إزاحة العملة الأمريكية من موقعها المهيمن تتطلب من الصين، أو من أي طرف آخر يسعى لمنافستها، إنشاء منظومة مالية متكاملة وتحمل كلفة سياسية واقتصادية مرتفعة. وبالنسبة للصين، فإن أي تحرك جاد في هذا الاتجاه يستلزم تخفيف القيود الصارمة المفروضة على حركة رؤوس الأموال الداخلة إلى البلاد والخارجة منها، وهي قيود تُعد أحد أعمدة سيطرة الدولة على النظام المالي، على عكس النموذج الأمريكي الذي يسمح بتدفق الدولار عبر الحدود بدرجة أكبر من الحرية.
العملة القوية.. حجر الأساس
في هذا السياق، نشر الرئيس الصيني شي جين بينغ مقالًا في مجلة "تشيوشي"، وهي من أبرز المنابر الفكرية للحزب الشيوعي الصيني، أكد فيه أهمية بناء قوة مالية وطنية ذات تأثير عالمي. وطرح المقال تساؤلًا حول مقومات الدولة القوية ماليًا، مشيرًا إلى أن امتلاك عملة قوية يمثل حجر الأساس، على أن تكون مستخدمة على نطاق واسع في التجارة الدولية والاستثمار وأسواق الصرف، وأن تحظى بوضع عملة احتياط عالمية.
وعلى نطاق أوسع، لا يزال الدولار العملة الأكثر استخدامًا في المبادلات التجارية العالمية، حتى في الصفقات التي لا يكون أي من أطرافها الولايات المتحدة، كما يمثل ملاذًا رئيسيًا للمستثمرين الدوليين الباحثين عن الأمان. هذا الدور يمنح واشنطن قدرة واسعة على التأثير في الشؤون الدولية، وهي قدرة لجأت إليها مرارًا عبر فرض العقوبات الاقتصادية.
وتملك الولايات المتحدة، فعليًا، إمكانية استبعاد خصومها، سواء كانوا في روسيا أو إيران أو كوريا الشمالية أو غيرها، من الوصول إلى البنية الأساسية للنظام المالي العالمي، وهو ما أثار استياء دول تحتفظ بعلاقات وثيقة مع واشنطن مثل الهند والبرازيل.
ومع ذلك، فإن محاولة الصين امتلاك نفوذ مشابه أو تقليص الاعتماد العالمي على الدولار لا يمكن أن تتحقق عبر تصريحات أو مقالات فكرية فقط. إذ تقوم هيمنة الدولار على شبكة متداخلة من العوامل، من بينها وجود سوق ضخمة لسندات الخزانة الأمريكية المتداولة بحرية، واستقلالية البنك المركزي، واعتماد نظام سعر صرف مرن، إلى جانب أنظمة دفع مالية تطورت على مدار عقود طويلة.
عملات الأسواق الناشئة مقابل الدولار
في هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي إسوار براساد، أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل ومؤلف كتاب "حلقة الهلاك" الذي يتناول تفكك النظام الاقتصادي الدولي، أن هناك رغبة متزايدة لدى العديد من الدول في تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، إلا أن الخيارات البديلة عالية الجودة تظل محدودة. وأوضح أن الحديث المتكرر عن تراجع مكانة الدولار لم يمنع استمرار تدفق رؤوس الأموال إلى الأسواق المالية الأمريكية خلال العام إلى العام ونصف الماضيين.
وفيما يتعلق بأحدث دعوات الرئيس الصيني لتعزيز التفوق المالي لبلاده، يشير براساد إلى أن التطورات التي حققتها الصين في مجال الخدمات المصرفية العابرة للحدود جعلت استخدام اليوان أكثر عملية في المعاملات بين أطراف غير أمريكية. وأضاف أن التعاملات بين عملات الأسواق الناشئة أصبحت أكثر سهولة، ولم تعد التجارة بين دول مثل الصين والهند تتطلب بالضرورة المرور عبر الدولار.
كما أشار إلى أن بكين اتخذت خطوات لتسهيل وصول المستثمرين الأجانب إلى سوق السندات الصينية، غير أن استمرار ضوابط رأس المال وضعف الثقة في المؤسسات الصينية يحدان من قدرة الأوراق المالية المقومة باليوان على منافسة سندات الخزانة الأمريكية كأصل احتياطي بديل.
وخلاصة المشهد، بحسب براساد، هو أن حصة اليوان في احتياطيات دول الأسواق الناشئة مرشحة للارتفاع مدفوعة بعوامل التنويع والتوترات الجيوسياسية، إلا أن هذا الارتفاع سيظل محدودًا بفعل القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال وضعف الإطار المؤسسي في الصين.
اقرأ أيضًا:
لماذا ينخفض الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوى له في 4 سنوات؟
الدولار في مهب الريح.. نظرة على مستقبل عملة تتهاوى
بمليار دولار.. أصول روسيا المعروضة من بوتين لمجلس السلام














