تؤكد المؤشرات المالية أن الدولار دخل رسميًا في "سوق هابطة" طويلة الأمد، وسط تحذيرات متصاعدة من خبراء الاقتصاد بأن هذا التراجع يمثل "سيفًا ذو حدين" للاقتصاد الأمريكي.
وبينما سجلت العملة الخضراء أسوأ تراجع يومي لها منذ أبريل الماضي، تزايدت التساؤلات حول قدرة واشنطن على الموازنة بين مكاسب التجارة الدولية وفقدان جاذبية الأصول المحلية.
تداعيات تراجع الدولار على التنافسية العالمية
تسببت التصريحات السياسية الأخيرة في زيادة وتيرة عمليات البيع، حيث فقد مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة أمام سلة من العملات الرئيسية، نحو 2.2% من قيمته منذ بداية العام الجاري، وذلك بعد هبوط حاد تجاوز 9% خلال عام 2025.
ورغم أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يرى في هذا التراجع "خبرًا ممتازًا" لتعزيز الصادرات وجذب السياحة، إلا أن الواقع الاقتصادي يشير إلى تعقيدات أعمق تتعلق بالقدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية لتمويل العجز المتنامي.
وتشرح نيلا ريتشاردسون، كبيرة الاقتصاديين في شركة (ADP)، أن انخفاض قيمة الدولار يعزز بالفعل تنافسية السلع الأمريكية في الخارج، لكنه في الوقت ذاته يقوض الثقة في الأسواق المحلية.
وتضيف أن هذه الثقة تعد حجر الزاوية في قدرة الولايات المتحدة على بيع سندات الخزينة، خاصة في ظل استمرار التضخم المرتفع والديون السيادية الضخمة، مما يجعل لغز الاقتصاد الأمريكي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
وبالنظر إلى البيانات الكلية، يبدو أن الأرقام الرئيسية لا تعكس القصة الكاملة؛ فالنمو الاقتصادي القوي وانخفاض معدلات البطالة كانا يفترضان وجود عملة قوية وسياسة أسعار فائدة متشددة، إلا أن الواقع يسير في اتجاه معاكس تمامًا.
ويعزو مراقبون هذا التناقض إلى طبيعة الانتعاش الاقتصادي، الذي قالت عنه "ريتشاردسون" إنه يفيد أصحاب الدخل المرتفع إذ يتيح لهم تحقيق طفرة في الإنفاق، بينما تكافح الفئات الأقل دخلًا تحت وطأة التضخم وتكاليف المعيشة المرتفعة.
توقعات الأسواق ومستقبل الدولار في ظل هروب رؤوس الأموال
يرى كول سميد، الرئيس التنفيذي لشركة "سميد كابيتال مانجمنت"، أن رحلة الهبوط لم تنتهِ بعد، متوقعًا استمرار "السوق الهابطة" لفترة طويلة.
ويستدل سميد بالتاريخ الاقتصادي، مشيرًا أن انفجار فقاعة التقنية في مطلع الألفية أدى إلى انهيار قيمة الدولار بنسبة 41% في غضون ست سنوات فقط.
ويبدو أن سيناريو مشابهًا قد يتكرر الآن بعد الطفرة الكبيرة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي وجذبت سيولة هائلة نحو الأسهم الأمريكية.
ويضيف سميد أن تركز 70% من مؤشر (MSCI) العالمي في الأسهم الأمريكية يعني أن أي تحول في شهية المستثمرين نحو أسواق أخرى بحثًا عن عوائد أفضل سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف الدولار نتيجة حركة تدفقات رأس المال إلى الخارج، كما أن عودة ما يعرف بـ "تجارة بيع أمريكا" أصبحت حقيقة واقعة مع تزايد ضغوط السلع الأساسية والمخاوف من الصراعات التجارية مع الشركاء التقليديين مثل أوروبا.
وعلاوة على ذلك، يشير المحلل دانيال فون أهلين من "تي إس لومبارد" أن الدولار لا يزال يتداول بعلاوة سعرية مرتفعة وفق معظم مقاييس التقييم، مما يجعله عرضة لمزيد من الانخفاضات.
وبينما تسعى الإدارة الأمريكية لخفض قيمة العملة لتسهيل بيع المنتجات المحلية، فإن هذه السياسة قد تؤدي إلى زيادة تكلفة الواردات وتآكل القوة الشرائية للمستهلك، مما يضع صناع القرار أمام تحدي الموازنة بين النمو الاقتصادي والحفاظ على مكانة العملة كاحتياطي عالمي.














