شهدت الساحة الدولية تحولًا استراتيجيًا لافتًا مع التعميق المتسارع للعلاقات العسكرية بين كوريا الشمالية وروسيا، إذ تجاوز هذا التعاون مجرد الدعم السياسي ليصل إلى المشاركة الميدانية المباشرة وتزويد الجبهات بالعتاد والجنود في الحرب الأوكرانية، وتأتي هذه التطورات كأكبر انخراط عسكري لبيونغ يانغ في نزاع خارجي منذ خمسينيات القرن الماضي.
وتشير آخر المعطيات الاستخباراتية الصادرة عن هيئة الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إلى توسع هذا الدعم ليشمل نشر وحدة صواريخ كورية شمالية تتألف من نحو 90 فردًا في منطقة فورونيج بغرب روسيا، مع تجهيزها بـ6 منصات إطلاق وما يصل إلى 120 صاروخًا باليستيًا لتوجيه ضربات نحو العمق الأوكراني.
يأتي ذلك بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تؤكد مساعي موسكو لاستقدام نحو 30 ألف جندي إضافي من كوريا الشمالية وتجهيز المنشآت اللازمة لاستقبالهم، وهو ما يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من تصعيد العمليات الميدانية.
حجم التواجد الكوري في الحرب الأوكرانية
تعددت التقديرات الغربية والأوكرانية حول الأعداد الفردية والتواجد الميداني للجنود الكوريين الشماليين على الأراضي الروسية منذ أواخر عام 2024، إذ أشار تقييم مبدئي مشترك بين واشنطن وسيول وكييف إلى تراوح أعداد القوات المنتشرة في البداية بين 10 لـ12 ألف جندي، ليرتفع الرقم لاحقًا بحسب تقييمات أمريكية رسمية وإحصاءات كورية جنوبية إلى ما بين 14 لـ15 ألف جندي استقروا بشكل أساسي في مقاطعة كورسك.
ورغم أن التقارير الميدانية الأخيرة تشير إلى بقاء نحو 9.5 ألف جندي في كورسك دون مشاركة مباشرة في القتال خلال الآونة الأخيرة، فإن الطرفين الروسي والكوري الشمالي أكدا خوض هذه القوات مواجهات فعلية ضد الجيش الأوكراني، وقد أشاد القادة العسكريون في موسكو بهذا الدور عقب استعادة أراضٍ في كورسك، بينما شددت بيونغ يانغ على أن هذا الانتشار جرى بأوامر مباشرة من الزعيم كيم جونغ أون.
الدعم اللوجستي الكوري لموسكو
لم يقتصر الدعم العسكري الكوري الشمالي لموسكو على قوات المشاة والصواريخ، بل امتد ليشمل إرسال كوادر متخصصة في الخدمات اللوجستية والهندسية لتسريع عمليات إعادة الإعمار والتأمين، وتضمنت التفاهمات المعلنة بين المسؤولين في البلدين إرسال نحو 1000 مهندس عسكري و5 آلاف عامل بناء عسكري إلى المناطق المتأثرة بالحرب في كورسك، بهدف تنفيذ عمليات إزالة الألغام وإصلاح البنية التحتية المتضررة جراء الاشتباكات.
ورغم عدم التثبت النهائي من أعداد الفنيين الذين وصلوا بالفعل أو طبيعة الأدوار القتالية التي قد يُسند إليهم أداؤها، فإن معلومات المخابرات الكورية الجنوبية تؤكد استمرار بيونغ يانغ في تجنيد وتدريب أفراد إضافيين لإرسالهم إلى روسيا، مقابل الحصول على دعم اقتصادي ومساعدات تقنية متطورة لبرامجها التسليحية.
إمدادات الذخيرة الكورية لروسيا
يمثل ملف إمدادات السلاح والذخيرة الركيزة الأكثر تأثيرًا في هذا التحالف، إذ تشير التقييمات العسكرية إلى أن بيونغ يانغ أصبحت تمد الجبهات الروسية بنحو نصف احتياجاتها من الذخائر على خطوط المواجهة الأولى، وشملت هذه الإمدادات ملايين قذائف المدفعية والهاون، فضلًا عن الصواريخ الباليستية طويلة المدى وأنظمة إطلاق الصواريخ المتعددة.
وقد كشفت تحليلات الملاحة البحرية عن تنفيذ سفن شحن روسية عشرات الرحلات بين الموانئ الكورية الشمالية والروسية لنقل الآلاف من حاويات الذخيرة، وتؤكد المصادر الأوكرانية استلام موسكو ما يزيد على 4 ملايين قذيفة مدفعية وأكثر من 140 صاروخًا باليستيًا من طرازات متطورة منذ منتصف عام 2023.
المكاسب المتبادلة بين روسيا وكوريا الشمالية
تستند هذه الشراكة إلى معاهدة الدفاع المشترك التي وقّعها الطرفان في بيونغ يانغ خلال صيف عام 2024، والتي تنص على تقديم المساعدة الفورية في حال تعرض أي من البلدين لعدوان خارجي، وتُبرر كوريا الشمالية خطوتها باعتبارها ممارسة لحقوقها السيادية في دعم دولة شقيقة، غير أن التحليلات السياسية تشير إلى مكاسب استراتيجية أعمق تسعى بيونغ يانغ لتحقيقها.
وتشمل هذه المكاسب الحصول على العملات الصعبة والإمدادات النفطية، والوصول إلى التكنولوجيا العسكرية الروسية المتقدمة، علاوة على ذلك، توفر ساحة المعركة الأوكرانية للجيش الكوري الشمالي فرصة لا تُقدّر بثمن لاكتساب خبرات قتالية عملية في مجالات الحرب الإلكترونية، وتكتيكات الطائرات المسيرة، واستخدام المدفعية الحديثة، إلى جانب اختبار كفاءة أسلحتها في ظروف قتالية حقيقية.
الموقف الدولي من الدعم الكوري لروسيا
أثار هذا التعاون العسكري موجة من الإدانات الدولية، إذ أجمعت الولايات المتحدة وحلفاؤها على أن نقل الأسلحة ونشر القوات يمثلان خرقًا صريحًا لقرارات مجلس الأمن الدولي المفروضة على بيونغ يانغ منذ عام 2006 بسبب برامجها النووية والصاروخية.
وتمنع هذه العقوبات الدول الأعضاء من استضافة أي مدربين أو مستشارين عسكريين كوريين شماليين، وردًا على هذا التصعيد، فرضت واشنطن وسيول عقوبات إضافية استهدفت كيانات وأفرادًا مرتبطين بالتعاون التسليحي والمالي بين البلدين، ومن جانبه، أكد حلف شمال الأطلسي أن هذا التقارب لا يشكل تهديدًا للأمن الأوروبي فحسب، بل يمتد بأثاره السلبية ليطال الاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وأمريكا الشمالية.








