عبر شاشة هاتفه المحمول التي تعمل ببطاريات مجمعة من طائرات مسيّرة، وثّق الجندي الأوكراني سيرغي كرينيتسكي تفاصيل مأساته التي وقعت تحت ثرى شرق أوكرانيا، في خندق ضيق لا تتعدى مساحته 3 في 4 أمتار، الذي تحول إلى ما يشبه القبر المؤجل.
وجّه سيرغي، 42 عامًا، الكاميرا نحو جثة رفيقه، الذي نزف حتى الموت عقب هجوم خاطف بمسيّرة أصاب شريان ساقه، وبنبرة خاوية يكسوها الذهول والإرهاق، اختصر كرينيتسكي مشهد التحول السريع في الحرب قائلًا: "في الصباح نتبادل النكات، وبحلول المساء تنادي أبواب الجنة".
لم تكن تجربة كرينيتسكي المعزولة حادثًا فرديًا، بل هي تجسيد للتحول الجذري الذي فرضته تقنيات الطائرات المسلحة دون طيار على أساليب القتال الحديثة، لقد فرضت هذه المسيرات الفتاكة والرخيصة واقعًا جديدًا أدى إلى إلغاء الممارسات التقليدية القائمة على حشد القوات والآليات في ممرات ضيقة، إذ أصبحت تلك التجمعات هدفًا سهلًا للتدمير.
بدلًا من ذلك، فرض الجيشان استراتيجية المجموعات الصغيرة المكونة من جنديين أو 3، ينقبون الأرض ليصنعوا خنادق متباعدة ممتدة على طول جبهة بعمق 30 كيلومترًا، في هذه المساحات الشاسعة، يتعين على الجنود البقاء متخفين في مواضعهم لأشهر متواصلة، حيث تصبح عمليات تبادل القوات أو تزويدها بالإمدادات مجازفة شبه مستحيلة تحت سماء ممطرة بالتهديدات.
سيرغي من مزارع إلى بطل أوكراني
لم تكن حياة كرينيتسكي السابقة تتضمن أي خلفيات عسكرية، فقد تنقل بين العمل في الزراعة والبناء، ثم إدارة مزرعة صغيرة للأرانب بعد تعافيه من غيبوبة طويلة إثر إصابة عمل، غير أن حملات التجنيد في أواخر عام 2024 اقتادته من قرية بيلوهيريا إلى معسكرات التدريب السريع، ليجد نفسه بحلول أبريل 2025 مقاتلًا في صفوف اللواء الميكانيكي الـ24 قرب بلدة تشاسيف يار المشتعلة.
هناك، حفر خندقه الذي أصبح مقرًا لإقامته الصامتة حتى مارس 2026، حيث أمضى 346 يومًا تحت الأرض، واجه خلالها موجات متتالية من القتال الضاري من مسافات قريبة جدًا، وصد هجمات المجموعات الروسية المتقدمة، مسجلًا القضاء على 23 جنديًا من القوات المهاجمة.
صراع سيرغي ضد الطبيعة والجوع
لم يقتصر التحدي على مواجهة رصاص الجيش الروسي، بل امتد لقتال قسوة الطبيعة وعزلة الإمدادات، عقب مقتل رفيقه الأول في بداية الانتشار، والذي تسبب في إصابة سيرغي بارتجاج ودوار دائم، فرض الشتاء أحكامه القاسية، وتقاسم سيرغي مع رفيقه المتبقي نوبات الحراسة المضنية التي لا تتجاوز الساعتين لتجنب التجمد، وسدا ثقوب التراب لدرء البرد القارس، وعندما كانت خطوط الإمداد تنقطع لأيام متواصلة بسبب كثافة الطائرات المسيرة، كان البقاء يتطلب الخروج بين الجثث المتناثرة لجمع الطعام، الذخيرة، والسجائر، حيث يتحول جمع علب التبغ والأسلحة المتروكة إلى هوس يقطع رتابة الموت المحدق.
في يوم 11 مارس الماضي، حسم هجوم بطائرة مسيّرة مصير الرفيق الأخير لكرينيتسكي، رغم محاولاته اليائسة لربط الجرح، فارق الصديق الحياة داخل الخندق الضيق، وتلقى سيرغي أوامره عبر اللاسلكي بالتراجع والإخلاء مع اقتراب قوات العدو، زحف سيرغي ليلًا مغادرًا الخندق الذي شهد أدق تفاصيل حياته وأقساها، لينضم لمجموعة صغيرة في موقع قريب، قبل أن يبدأ رحلة السير الشاقة على الأقدام لمسافة 25 كيلومترًا نحو الأمان، وهو بوهن شديد وجسد أنهكه البقاء أشهرًا تحت التراب.
بعد فترة وجيزة من نجاة كرينيتسكي، قلّده الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسام "بطل أوكرانيا" تقديرًا لشجاعته الاستثنائية، ورغم ابتعاده عن خطوط النار واستقراره في مدينة كراماتورسك، فإن الآثار النفسية والجسدية لا تزال تحاصره، مرتسمة في ارتجاف يديه ودموعه العصية كلما تذكر أولئك الذين فقدوا عقولهم أو أرواحهم في الخنادق، واليوم، يتنقل سيرغي بين المدارس للحديث عن تجربته، مشيرًا إلى أن الجلوس أمام الأطفال ورؤية ابتساماتهم تحت سماء آمنة هو المعنى الحقيقي الوحيد الذي يجعله يستوعب غاية صموده ويشعره بأنه لم يواجه الجحيم عبثًا.












