رغم استمرار الحرب في أوكرانيا، أظهر الاقتصاد الروسي قدرة على مواصلة النمو، لكن هذه الصورة الإيجابية تخفي ضغوطًا متزايدة على الاقتصاد المدني والأسر، مع اتجاه المستهلكين إلى المنتجات الغذائية الأرخص والعلامات التجارية منخفضة التكلفة.
عاد الاقتصاد الروسي إلى النمو خلال الربع الثاني من 2026، بعدما سجل الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعًا بنسبة 1.3% على أساس سنوي بين أبريل ويونيو، بينما بلغ النمو خلال النصف الأول من العام 0.6%. وجاءت النتيجة أفضل من توقعات الحكومة والبنك المركزي.
ويرى محللون أن الإنفاق الحكومي على القطاع العسكري والصناعات المرتبطة به، إلى جانب ارتفاع عائدات النفط خلال بعض الفترات، ساعدا في دعم الاقتصاد الروسي رغم استمرار الحرب والعقوبات الغربية.
لكن النمو لا يبدو متوازنًا بين جميع القطاعات؛ فبينما واصل القطاع الصناعي العسكري التوسع، ظل التصنيع المدني تحت الضغط، ما يعكس الفجوة المتزايدة بين اقتصاد تدفعه احتياجات الحرب واقتصاد يخدم الاستهلاك والنشاط المدني.
أرقام النمو لا تحكي القصة كاملة
يرى محللون أن الناتج المحلي الإجمالي ليس المؤشر الوحيد الذي يمكن من خلاله تقييم وضع الاقتصاد الروسي، مشيرين إلى أهمية متابعة العجز المالي والتضخم والإيرادات النفطية.
وخلال النصف الأول من 2026، بلغت إيرادات النفط والغاز نحو 64% من مستواها في الفترة نفسها قبل عامين، في ظل استمرار الضغوط على قطاع الطاقة نتيجة الهجمات الأوكرانية على المصافي وتشديد العقوبات الغربية.
كما تواجه الشركات والأسر آثار ارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ أجزاء من الاقتصاد غير العسكري، وهي عوامل قد تجعل استمرار النمو الحالي أكثر صعوبة خلال الفترة المقبلة.
بدأت الضغوط الاقتصادية تظهر بوضوح أكبر في سلوك المستهلكين، إذ قالت مجموعة X5، أكبر شركة تجزئة في روسيا، إن المواطنين أصبحوا يتجهون بصورة متزايدة إلى الأغذية منخفضة التكلفة والعلامات التجارية الخاصة بالمتاجر.
ومن اللافت أن الشركة رصدت ارتفاع استهلاك البسكويت بنحو مرتين ونصف خلال الفترة الأخيرة، باعتباره خيارًا حلوًا أقل تكلفة من الشوكولاتة وغيرها من الحلويات.
يعكس هذا التحول محاولة الأسر الروسية الحفاظ على بعض أنماط الاستهلاك مع تقليل تكلفتها، في ظل الضغوط التي تواجه الدخول الحقيقية وارتفاع تكاليف المعيشة.
هل ينهي الضغط الاقتصادي الحرب؟
رغم هذه الضغوط، لا يرى المحللون أن الاقتصاد الروسي وصل إلى مرحلة يمكن أن تجبر موسكو على إنهاء الحرب.
وترى إلينا ريبكوفا، الباحثة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أن الوضع الاقتصادي يحتاج إلى تدهور أكبر بكثير حتى يؤثر بصورة حاسمة في قرار روسيا بشأن الحرب، خصوصًا مع استمرار استفادة موسكو من مستويات أسعار النفط الحالية.
بل يحذر أليكس كولياندر من احتمال مختلف؛ إذ يرى أن تزايد الضغوط المالية قد يدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى التصعيد بدلًا من التراجع، في محاولة لإنهاء الحرب بشروط تخدم موسكو قبل أن تصبح القيود المالية أكثر حدة.
وهكذا، تكشف الأرقام عن اقتصاد روسي لا يزال قادرًا على تسجيل النمو، لكن ذلك لا يعني أن آثار الحرب والعقوبات لا تصل إلى المواطنين؛ فبينما يستمر الإنفاق العسكري في دعم النشاط الاقتصادي، تظهر الضغوط في تفاصيل الحياة اليومية، من تراجع القدرة الشرائية إلى البحث عن منتجات أرخص وتقليص الإنفاق غير الضروري.














