تُظهر القراءة المتعمقة لبيانات استطلاعات الرأي الوطنية في عام 2026 تباينًا ملحوظًا في كيفية تأثير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على السلوك الانتخابي للشارع الأمريكي مقارنة بولايته الأولى، ففي عام 2018، كانت نسبة الناخبين الرافضين لأداء ترامب تتجاوز نسبة المؤيدين بفارق 10 نقاط مئوية فقط، وهو ما تُرجم وقتها إلى تفوق ديمقراطي واضح بلغ 8.5 نقطة مئوية في التصويت الشعبي الوطني لمجلس النواب ومكّنهم من حصد أكثر من 40 مقعدًا.
غير أن المشهد الراهن في أمريكا يقدم مفارقة رقمية غريبة، إذ ينحدر صافي نسبة تأييد ترامب إلى نحو 20 نقطة بالسالب، حيث تبلغ نسبة التأييد الإجمالية لشخصه نحو 36% فقط مقابل رفض يتجاوز 61% وفق أحدث استطلاعات شبكة سي إن إن، ورغم أن هذا التراجع يعكس ضعفًا يتجاوز ما واجهه رؤساء سابقون مثل بيل كلينتون عام 1994 وباراك أوباما عام 2010 وجو بايدن عام 2022 الذين وقف معدل تأييدهم جميعًا قرب مستوى 45%، فإن الديمقراطيين يعجزون في الوقت نفسه حتى الآن عن تحويل هذا التراجع إلى تقدم متكافئ في سباقات مجلسي النواب والشيوخ.
فشل الديمقراطيين في استمالة الساخطين على ترامب
تكمن معضلة الديمقراطيين الحقيقية في الفشل الملموس حتى الآن في استمالة الشريحة الساخرة من ترامب بالقدر الذي تحقق في انتخابات سابقة، ففي استطلاعات من مراكز الاقتراع عام 2018، صوّت 90% من الناخبين غير الراضين عن ترامب لصالح المرشحين الديمقراطيين لمجلس النواب، وهي نسبة ارتفعت إلى 93% في عام 2020، في المقابل، تظهر استطلاعات عام 2026 تراجعًا بليغًا في هذه الحصة، حيث تراوحت نسبة معارضي ترامب المستعدين لدعم الديمقراطيين بين 69% فقط في استطلاعات الربيع المبكرة، وما بين 75% إلى 85% في استطلاعات صحيفة نيويورك تايمز وشبكة إن بي سي وجامعتي كوينيبياك وماركيت.
وعلى الجانب الآخر، يحافظ الحزب الجمهوري على انضباط تنظيمي صارم بين أنصاره، حيث أجمعت الاستطلاعات الوطنية كافة على أن ما لا يقل عن 90% من الناخبين المؤيدين لترامب يخططون بشكل حاسم للتصويت لمرشحي الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر.
صمود المرشحين في الولايات المتأرجحة
يتجلى هذا التباين الرقمي بوضوح عند فحص نتائج الاستطلاعات على مستوى الولايات المحورية لسباق مجلس الشيوخ، ففي ولاية بنسلفانيا، وعلى الرغم من انخفاض صافي تأييد ترامب من 15 نقطة بالسالب في فبراير إلى 19 نقطة بالسالب مؤخرًا، حافظ الديمقراطيون على فارق تقدم ثابت لم يتجاوز 6 نقاط مئوية فقط، مع تجنيد الجمهوريين لنحو 93% من مؤيدي ترامب مقابل حصول الديمقراطيين على 84% فقط من معارضيه.
وفي ولايات مثل أوهايو وأيوا وتكساس، حيث لم تتعدَ نسبة الرضا عن أداء ترامب حاجز 44%، تمكن المرشحون الجمهوريون لمجلس الشيوخ من التقدم بفارق ضئيل أو التعادل مع منافسيهم الديمقراطيين، وتعيد هذه الأرقام للأذهان الحالة الاستثنائية للسيناتور الجمهورية سوزان كولينز عام 2020، والتي كانت المرشحة الجمهورية الوحيدة التي فازت في ولاية رجحت فيها كفة الرافضين لترامب، بينما يحاول الجمهوريون اليوم تكرار هذه الحالة وتجاوز سقف شعبية الرئيس في عدة ولايات متأرجحة في وقت واحد.
تراجع العلامة التجارية للحزبين في أمريكا
يعزو المستشارون الاستراتيجيون هذا الفارق الرقمي إلى التغير الملموس في انطباعات الشارع تجاه الحزب الديمقراطي عقب رئاسة جو بايدن، حيث تشير بيانات استطلاعات الرأي إلى تراجع تقييم الصورة العامة للحزب الديمقراطي مقارنة بعام 2018 الذي انقسمت فيه الآراء بالتساوي، ويسعى الجمهوريون لاستغلال هذا التراجع من خلال ربط كل المرشحين الديمقراطيين بالفصائل الأكثر راديكالية داخل حزبهم.
ومع ذلك، تبقى الحسابات الانتخابية مفتوحة على كافة الاحتمالات، إذ يكشف استطلاع جامعة ماركيت أن نسبة الديمقراطيين بين الناخبين المسجلين الرافضين لترامب تقف عند 76%، لكنها تقفز إلى 86% عند حصر العينة على فئة الناخبين المحتملين الذين يحرصون فعليًا على التوجه لصناديق الاقتراع، وبناءً عليه، يظل الرهان الأساسي للحزبين معقودًا على سلوك تلك الكتلة الحرجة التي تمثل نحو 10% من الناخبين غير الراضين عن ترامب، وما إذا كانوا سيرجحون كفة الديمقراطيين في نهاية المطاف أو يختارون الامتناع عن المشارك؟.













