يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديًا إضافيًا في حملته الاقتصادية ضد إيران، يتمثل في إقناع الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، بالمشاركة في الضغط على طهران.
وكشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن "عملية المنبوذ الاقتصادي"، مهددًا بفرض عقوبات جديدة ومدمرة على الدول التي تواصل التعامل مع إيران، في محاولة لتضييق الخناق الاقتصادي على طهران ودفع قيادتها إلى وقف سياساتها التي تعتبرها واشنطن مصدرًا للتهديد.
لكن نجاح الحملة يرتبط إلى حد كبير بموقف بكين، التي وفرت لإيران لسنوات منفذًا اقتصاديًا مهمًا عبر شراء الغالبية العظمى من صادراتها النفطية، التي بلغت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية العام الماضي، إلى جانب تجارة أخرى بين البلدين، بحسب شبكة "CNN" الأمريكية.
الصين ترفض العقوبات الأمريكية
ترفض بكين ما تصفه بالعقوبات الأمريكية "الأحادية"، وتتمسك بحقها في التجارة مع شركاء مثل إيران وروسيا، وفي المقابل، تدرك واشنطن أن الضغط على الصين قد يفتح مواجهة اقتصادية أوسع، خصوصًا قبل انتخابات منتصف المدة الأمريكية.
وبعد مؤتمر بيسنت الصحفي، الثلاثاء، تعهدت وزارة الخارجية الصينية بـ"اتخاذ جميع التدابير اللازمة" لحماية "حقوقها ومصالحها المشروعة" في مواجهة العقوبات الأمريكية، ويأتي التصعيد قبل زيارة مرتقبة للزعيم الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة الشهر المقبل، وسط مساعٍ لتمديد هدنة تجارية حاسمة تنتهي في وقت لاحق من الخريف.
وقال ترامب إنه لم يطلب من شي "أي خدمات" بشأن إيران خلال اجتماع في مايو، لكن أي طلب أمريكي جديد قد يكشف حجم حاجة واشنطن إلى التعاون الصيني في مواجهة طهران.
وقال تشاو لونغ، مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والأمنية الدولية في معاهد شنغهاي للدراسات الدولية: "من المستبعد أن تقبل الصين بأن تحدد واشنطن للشركات الصينية ما يجوز لها قانونيًا أن تتاجر به مع دول أخرى"، مضيفًا: "سيشكل ذلك سابقة تسمح للعقوبات الثانوية الأمريكية بالتأثير فعليًا على علاقات الصين التجارية مع دول أخرى".
كيف تضغط واشنطن على الصين؟
وتستورد الصين النفط الإيراني عبر نظام معقد يعزل هذه التجارة عن نظام الدولار الأمريكي والعقوبات، وتتولى المصافي الصينية المستقلة، المعروفة باسم "تي بوت"، شراء النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، عبر شبكة من الموانئ والمؤسسات المالية والناقلات التي غالبًا ما تكون محجوبة عن النظام المالي والتجاري الدولي.
وقال بيسنت إن واشنطن وجهت تحذيرات إلى مصرفين صينيين -لم يذكر اسمهما- بشأن معاملات مرتبطة بإيران وعندما سُئل عن الإجراءات ضد البنوك وشركات الشحن الصينية غير الملتزمة، قال: "لا أحد مستثنى" في مواجهة العقوبات الأمريكية.
لكن بكين تدرك أيضًا أن واشنطن سبق أن هددت بعقوبات شاملة ثم تراجعت، كما تعرف حجم نفوذها الاقتصادي، خاصةً سيطرتها على إمدادات العناصر الأرضية النادرة الاستراتيجية والحرجة.
وقال سون تشنغهاو، الزميل الأول في مركز الأمن والاستراتيجية الدولية بجامعة تسينغهوا في بكين: "إذا تجاوزت واشنطن هذا الحد وفرضت عقوبات على البنوك الصينية الكبرى، فمن شبه المؤكد أن ترد بكين، ما سيترك أثرًا كبيرًا على أجواء القمة بين ترامب وشي"، مضيفًا أن القرار قد لا يلغي الاجتماع، لكنه "سيحوّل القمة من البحث عن الاستقرار إلى احتواء الأضرار".
حسابات قمة ترامب وشي
ستدخل تداعيات أي تصعيد أمريكي صيني في حسابات القمة المرتقبة، التي يُتوقع أن تكون أول زيارة دولة لشي إلى الولايات المتحدة منذ 11 عامًا، وبينما لا تريد بكين الظهور وكأنها تتعاون مع نظام عقوبات تعارضه، يمكنها خفض مشتريات النفط بهدوء، أو رفع رسائلها السياسية إلى طهران، أو تكثيف جهود تشجيع ضبط النفس.
وتراجعت مشتريات الصين من النفط الإيراني بشكل حاد مقارنةً بالعام الماضي بسبب حصار الولايات المتحدة الذي قيد صادرات النفط الإيرانية، كما ترى بكين وواشنطن مصالح مشتركة في استعادة تدفقات التجارة عبر مضيق هرمز والاستقرار الإقليمي.
وقال نائب وزير الخارجية الصيني مياو ديو، خلال اجتماعه مع مسؤولين إيرانيين في بكين الأسبوع الماضي، إن الصين "تعمل بنشاط من أجل دفع محادثات السلام قدمًا"، ورغم ذلك، تتحاشى بكين لعب دور وسيط مباشر، مفضلةً حماية مصالحها الاقتصادية والحفاظ على صورتها كقوة تدعم السلام الإقليمي.
وقال تشاو إن أي تعاون مع الولايات المتحدة لاستعادة الاستقرار في المنطقة "لا ينبغي اختزاله في مجرد تقديم خدمة لترامب"، مضيفًا: "بكين مستعدة للمساهمة في إنهاء الأزمة، لكنها لا تريد أن تتحول إلى أداة في استراتيجية واشنطن للضغط القصوى".














