بعد أكثر من 4 عقود، أزالت الولايات المتحدة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تنهي أحد أبرز القيود المفروضة على الاقتصاد السوري.
وجاء القرار في أغسطس 2026، بعد انتهاء مهلة إخطار الكونغرس البالغة 45 يومًا، كما ألغت واشنطن تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية عالمية مصنفة تصنيفًا خاصًا.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن القرار يأتي تقديرًا لما وصفته بـ"الإجراءات الإيجابية" التي اتخذتها الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
من 1979 إلى 2026
صنفت واشنطن سوريا دولة راعية للإرهاب منذ ديسمبر 1979، متهمة حكومة الرئيس حافظ الأسد بدعم جماعات مسلحة، بحسب "الكونغرس".
واستمر التصنيف خلال حكم بشار الأسد، الذي أطاح به الثوار بقيادة أحمد الشرع في ديسمبر 2024، وفي 8 يوليو 2026، أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونغرس بنيته إلغاء التصنيف، قبل أن يدخل القرار حيز التنفيذ بعد انتهاء مهلة الـ45 يومًا، وبإزالة سوريا، أصبحت كوبا وإيران وكوريا الشمالية الدول الثلاث الوحيدة المدرجة على القائمة الأمريكية.
لماذا الآن؟
ربطت واشنطن القرار بخطوات اتخذتها الحكومة السورية خلال العام الماضي، بينها انضمام سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش في نوفمبر الثاني، وتنفيذ عمليات ضد داعش والقاعدة وحزب الله والجماعات الموالية لإيران.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو: "جاءت هذه الإجراءات تقديرًا للخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، والتزامها بإبعاد سوريا عن أي أعمال إرهابية دولية".
كما سبقت الخطوة إجراءات أمريكية لتخفيف العقوبات، بينها الأمر التنفيذي الصادر في يونيو 2025، الذي أنهى برنامج العقوبات الشامل وحالة الطوارئ الوطنية المرتبطة بسوريا.
الاستثمار في الواجهة
يمثل رفع التصنيف خطوة مهمة أمام البنوك والشركات الراغبة في دخول السوق السورية، بعدما كان التصنيف يفرض قيودًا على المساعدات، والمعاملات المالية، وبعض الصادرات والمبيعات الدفاعية، ويزيد مخاطر الامتثال على المستثمرين.
وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن رفع التصنيف سيساعد على إعادة ربط سوريا بالنظام المالي والاقتصادي العالمي، مضيفًا: "لم يعد هناك أي عائق أمام الاستثمار وممارسة الأعمال التجارية وإعادة بناء الحياة الاقتصادية في سوريا".
وتسعى دمشق إلى جذب مليارات الدولارات لإعادة الإعمار بعد نحو 14 عامًا من الحرب، وقدّر البنك الدولي احتياجات سوريا لإعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار في عام 2025.
العقوبات لم تختفِ بالكامل
رفع التصنيف لا يعني إلغاء جميع العقوبات الأمريكية على سوريا، ففي يوليو 2025، أنهت إدارة ترامب العقوبات الشاملة، لكنها أبقت عقوبات تستهدف بشار الأسد وشركاءه، ومنتهكي حقوق الإنسان، وتجار المخدرات، وتنظيم الدولة الإسلامية، وفروع القاعدة والوكلاء الإيرانيين.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن المؤسسات المالية الأمريكية يمكنها تقديم خدمات إلى سوريا والتعامل مع البنوك السورية، بشرط عدم مشاركة أطراف خاضعة للعقوبات.
تقارب بين واشنطن ودمشق
جاء القرار بعد أشهر من التقارب بين واشنطن ودمشق، والتقى ترامب وأحمد الشرع في أنقرة في يوليو، وقال له في رسالة اطلعت عليها رويترز إنه وعد بـ"إزالة جميع الحواجز" التي تمنع سوريا من إعادة البناء.
كما أفادت "رويترز" بأن دمشق وافقت على خفض واردات النفط الروسي بشكل كبير خلال مباحثات مع واشنطن بشأن رفع التصنيف، وفق ثلاثة مصادر مطلعة.
وفي الوقت نفسه، بدأت شركات ومؤسسات مالية بإبداء اهتمام بالسوق السورية. وأجرت وزارة المالية السورية محادثات مع بنك أوف أمريكا، بينما أعلنت ماستركارد في مايو تعاونها مع مجموعة "QNB" والبنك المركزي السوري لتجهيز البنية التحتية لمدفوعات البطاقات الدولية.
ما الذي تحتاجه سوريا؟
رغم رفع التصنيف، تواجه سوريا احتياجات اقتصادية وإنسانية ضخمة، فبحلول مايو 2026، كان نحو 15.6 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية أو حماية، بينهم 5.8 مليون نازح داخليًا، فيما بلغ عدد اللاجئين السوريين في دول المنطقة 3.6 مليون.
وفي ديسمبر 2025، ألغى الكونغرس قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، الذي كان يتيح فرض عقوبات على مستثمرين من أطراف ثالثة في قطاعات مرتبطة بإعادة الإعمار.
ويبقى على الحكومة الانتقالية، وفق مطالب عدد من أعضاء الكونغرس، مواصلة مكافحة الإرهاب، وحماية الأقليات، واحترام حقوق الإنسان، والحد من التعاون الأمني مع روسيا.
كيف يُلغى التصنيف؟
تخضع عملية تصنيف الدول وإلغائه حاليًا لثلاثة قوانين أمريكية، بينها قانون المساعدة الخارجية لعام 1961 وقانون مراقبة صادرات الأسلحة وقانون مراقبة الصادرات لعام 2018.
وتتيح القوانين للرئيس إلغاء التصنيف إذا أكد أن الحكومة المعنية لم تدعم الإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة السابقة، وقدمت ضمانات بأنها لن تفعل ذلك مستقبلًا.
وسبق لواشنطن أن ألغت تصنيف 6 دول كدول راعية للإرهاب: العراق، واليمن الجنوبي، وليبيا، وكوريا الشمالية، وكوبا، والسودان، مع إعادة تصنيف كوريا الشمالية وكوبا لاحقًا.
حتى الآن، لم يرفض الكونغرس رسميًا أي عملية إلغاء تصنيف وفق آلية المراجعة البرلمانية المنصوص عليها في قانون مراقبة صادرات الأسلحة.














