تكشف الزيادة المتواصلة في الإنفاق العسكري العالمي أن التسلّح بات توجهًا ممتدًا، وليس مجرد رد فعل مؤقت على الحروب المتصاعدة. فقد قفز الإنفاق بنسبة 9.4% في 2024، قبل أن يبلغ نحو 2.887 تريليون دولار في 2025، بزيادة 2.9% خلال عام واحد، مسجلًا العام الحادي عشر على التوالي من الارتفاع. وخلال الفترة بين 2016 و2025، نما إجمالي الإنفاق العالمي بنسبة 41%، في مؤشر على تحول أوسع نحو زيادة الجاهزية العسكرية لدى الدول.
ووضعت العديد من الدول أهدافًا دفاعية تمتد حتى نهاية العقد الحالي وما بعده ضمن خطط طويلة الأمد تتجاوز مجرد زيادة الإنفاق الدفاعي أو الموازنات العسكرية استجابة للصراعات الحالية.
الناتو.. خطط تمتد حتى 2035
أوضح المؤشرات على احتمال دخول العالم دورة تسلّح طويلة يأتي من حلف الناتو؛ ففي قمة لاهاي عام 2025، التزم الحلفاء برفع الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا بحلول 2035، منها 3.5% للمتطلبات الدفاعية الأساسية، وما يصل إلى 1.5% للاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية والأمن والمرونة والابتكار والصناعة الدفاعية.
ولا يقتصر الأمر على إعلان هدف بعيد المدى؛ فقد تعهد أعضاء الحلف بتقديم خطط سنوية لمسار تدريجي وموثوق للوصول إلى الهدف، ما يعني أن الزيادة في الإنفاق يفترض أن تستمر عامًا بعد عام حتى 2035، بغض النظر عن تطورات حرب بعينها، بحسب الموقع الرسمي لحلف الناتو.
أوروبا.. تسلّح للمستقبل
الاتحاد الأوروبي يتحرك في الاتجاه نفسه عبر خطة Readiness 2030، التي تهدف إلى إتاحة ما يصل إلى 800 مليار يورو من الإنفاق الدفاعي الإضافي حتى 2030، مع أدوات مالية تمنح الدول الأعضاء مساحة أكبر لزيادة استثماراتها العسكرية، وفق الموقع الرسمي للمفوضية الأوروبية.
ولا تتضمن الخطة الأوروبية شراء الأسلحة فقط، بل تشمل تعزيز القدرات الصناعية والدفاعية الأوروبية، وتسريع الإنتاج والمشتريات، وتقليل أوجه الاعتماد الاستراتيجي على الخارج. وهذا يعني أن جزءًا من الإنفاق الحالي يُستخدم لبناء قدرة عسكرية وصناعية يفترض أن تستمر لسنوات، وليس لتلبية احتياجات حرب مؤقتة فقط.
استنزاف المخزونات كدافع لاستمرار التسلّح
من بين العوامل التي قد تؤدي لإطالة أمد التسلّح هو استمرار الحروب الحديثة وعلى رأسها الحرب الروسية-الأوكرانية التي تتسبب في زيادة استهلاك المخزونات العسكرية من الذخائر والمعدات، ما يدفع الدول إلى رفع الإنتاج وتأمين سلاسل الإمداد بدل الاعتماد على مخزونات ما قبل الحرب.
وتشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI إلى أن حجم عمليات نقل الأسلحة الرئيسية عالميًا ارتفع 9.2% خلال 2021-2025 مقارنة بـ2016-2020، فيما ارتفعت واردات أوروبا من الأسلحة الرئيسية بأكثر من ثلاثة أضعاف، في ظل سعي الدول الأوروبية إلى تعزيز قدراتها العسكرية بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.
وتتجاوز الاستجابة مسألة شراء الأسلحة إلى إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية نفسها. فالدول الأوروبية تعمل على تسريع المشتريات وزيادة الإنتاج المحلي، إذ تشير بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS إلى أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي في 2025 أصبح أعلى بنحو 55% بالقيمة الاسمية مقارنة بـ2022، مع استمرار الضغوط لزيادته تلبية لأهداف الناتو الجديدة.
وهذا التحول يُعد من أبرز الدلائل على الخطط طويلة الأمد للتسلّح، إذ إن إنشاء خطوط إنتاج جديدة وتوسيع المصانع وتطوير سلاسل الإمداد لا يحدث استجابةً لشهر أو عام من القتال، بل يمثل استثمارًا طويل الأجل في القدرة على إنتاج الأسلحة والذخائر. كما أنه تم رصد تنامي الاستثمار في الصناعات الدفاعية الأوروبية، بالتزامن مع زيادة دور الاتحاد الأوروبي في تنسيق المشتريات والسياسات الصناعية.














