بدأت الاضطرابات الاقتصادية التي غذتها الصين وساهمت في تغيير السياسة التجارية الأمريكية تضرب أوروبا بقوة، مع تزايد تدفق المنتجات الصينية إلى الأسواق الأوروبية وضغطها على الصناعات المحلية. ويضع هذا التطور القارة أمام اختبار كبير لمعرفة ما إذا كانت طفرة الصادرات الصينية ستدفع الاقتصادات الكبرى إلى تبني نهج حمائي مشابه للسياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة.
وبحسب تقرير نشره موقع "Axios"، تناقش أوروبا إمكانية إقامة حواجز أوسع أمام البضائع الصينية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الصناعات الأوروبية، خصوصًا في ألمانيا. وتقول سيسيليا مالمستروم، المفوضة التجارية السابقة للاتحاد الأوروبي، إن مفهوم "الصدمة الصينية" أصبح أكثر عالمية، في إشارة إلى الزيادة الكبيرة في الواردات الصينية بعد انضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، والتي ألحقت أضرارًا بصناعات ومجتمعات أمريكية.
ألمانيا في قلب المنافسة الصينية
يقول نواه باركين، كبير المستشارين في مجموعة "Rhodium"، إن اختفاء عشرات الآلاف من وظائف التصنيع في ألمانيا شهريًا يدفع السياسيين إلى إعادة تقييم موقفهم، مضيفًا أن الأوروبيين يريدون أداة شبيهة بـ"القسم 301" من قانون التجارة الأمريكي لفرض تعريفات واسعة على الصين، إلى جانب الحصول على موافقة الدول الأعضاء لاستخدامها.
وتنتج المصانع الصينية السلع بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد المحلي البطيء على استيعابها، ما يطلق موجة صادرات تضغط على الصناعات الأوروبية الحيوية. وفي بعض القطاعات، يستطيع المصنعون الصينيون المنافسة بأسعار أقل، مدعومين بدعم حكومي واسع، بينما أصبحت الشركات الصينية تنافس نظيراتها الألمانية في السيارات والآلات وغيرها من القطاعات التي شكلت أساس النجاح الاقتصادي لألمانيا.
رغم الرسوم الجمركية الأمريكية، لم تتأثر آلة التصدير الصينية بصورة كبيرة؛ إذ بلغت صادرات الصين مستوى قياسيًا عند "3.8 تريليون دولار العام الماضي"، وارتفعت بنسبة 14% حتى يوليو من العام الجاري، رغم تراجع الشحنات إلى الولايات المتحدة بشدة. وفي المقابل، توسعت الصين في أسواق أخرى، بينها أوروبا، فيما يرى البنك المركزي الأوروبي أن تعريفات ترامب لا تفسر سوى جزء من الزيادة الأوسع في الصادرات الصينية.
وتراكم أوروبا عجزًا تجاريًا مع الصين بمعدل قياسي يقارب "1.15 مليار دولار يوميًا"، وصفه كبير مسؤولي التجارة في الاتحاد الأوروبي بأنه "غير مستدام بشكل واضح". كما أصبحت ألمانيا تستورد من الصين آلات ومعدات صناعية متطورة أكثر مما تصدر إليها، ليتحول ميزانها التجاري في هذه السلع إلى عجز قدره "600 مليون دولار"، بعدما كان فائضًا بنحو "900 مليون دولار" خلال أقل من عام.
وفي قطاع السيارات، تجاوزت واردات الاتحاد الأوروبي من السيارات الصينية "مليون سيارة لأول مرة العام الماضي"، بزيادة تقارب 30% عن عام 2024، وفقًا لرابطة مصنعي السيارات الأوروبية.
أوروبا تشدد إجراءاتها ضد الصين
بدأت أوروبا بالفعل في الرد، عبر فرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية الصينية، إلى جانب حواجز جديدة في قطاعات تشمل الصلب والأجهزة الطبية. كما يدرس المسؤولون منح الاتحاد صلاحيات جديدة لفرض تعريفات أو حصص على السلع الصينية بسرعة، على غرار الأدوات التجارية التي تستخدمها الولايات المتحدة.
وتغير موقف شركة "فولكس فاجن" أيضًا؛ فبعدما عارضت الرسوم الأوروبية على السيارات الكهربائية الصينية قبل عامين، تضغط الشركة الآن على صانعي السياسات للتحرك بصورة أسرع لحماية الصناعة الأوروبية. وقال الرئيس التنفيذي أوليفر بلوم للمستثمرين الشهر الماضي: "ليس لدينا وقت نضيعه"، مضيفًا أنه يتوقع تحرك صانعي السياسات هذا العام.
ويرى باركين أن مطالبة رئيس أكبر شركة لصناعة السيارات في ألمانيا بمزيد من الحماية من الصين تمثل إشارة إلى أن الأزمة وصلت إلى مستوى جديد. ردت الولايات المتحدة على صعود الصين الاقتصادي بفرض حواجز تجارية متزايدة الاتساع، وتواجه أوروبا الآن المعضلة نفسها، لكن دون حسم مدى استعدادها للذهاب إلى الحد ذاته. وتقول مالمستروم: "إن مجرد سحق الصين بفرض تعريفات جمركية كبيرة ليس هو الأسلوب الأوروبي"، في إشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يبحث عن أدوات أكثر توازنًا لمواجهة المنافسة الصينية.














