كشفت تجارب علمية حديثة عن سلوك الماس تحت ضغوط ودرجات حرارة هائلة تتجاوز في بعض الحالات الظروف الموجودة داخل كوكبي نبتون وأورانوس، ما أسهم في حسم خلاف علمي استمر لنحو عقدين بين القياسات التجريبية والنماذج النظرية.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة لارتباطها بأبحاث الاندماج النووي ودراسة البنية الداخلية للكواكب الجليدية العملاقة، إذ يمكن أن تساعد العلماء على تطوير طرق أكثر كفاءة لإنتاج طاقة الاندماج، فضلًا عن تقديم أدلة جديدة حول ظاهرة "أمطار الماس" التي يُعتقد أنها تحدث في أعماق نبتون وأورانوس.
سلوك الماس تحت الضغط
بحسب دراسة نُشرت في مجلة "نيتشر فيزيكس"، تمكن باحثون في مختبر لورانس ليفرمور الوطني من قياس كيفية انصهار الماس عند ضغوط تصل إلى نحو ثلاثة أضعاف الضغط الموجود في لب الأرض، باستخدام تجارب ضغط ديناميكي تعتمد على أشعة الليزر. وأظهرت النتائج توافقًا بين درجات الانصهار التي جرى قياسها عمليًا والقيم التي توقعتها المحاكاة الحاسوبية، وهو ما ساعد على تفسير سلوك الماس عندما يتعرض لصدمة شديدة ومفاجئة.
ويحظى الماس بأهمية كبيرة في تجارب الاندماج بالقصور الذاتي، حيث تُستخدم كبسولات صغيرة مصنوعة منه لاحتواء وقود الاندماج. كما يعتقد العلماء أن الكربون الموجود في أعماق نبتون وأورانوس قد يتحول إلى ماس بفعل الضغوط الهائلة، ثم يهبط إلى الداخل فيما يعرف بـ"مطر الماس". وواجه الباحثون لسنوات صعوبة في تحديد استجابة الماس الدقيقة للضغط والحرارة الشديدين، بسبب وجود اختلافات ملحوظة بين نتائج التجارب المعملية وتوقعات النماذج النظرية.
وتعود جذور الخلاف إلى تجارب أجراها العالم جون إيغرت وزملاؤه قبل نحو عقدين، عندما درسوا انصهار الماس تحت ضغوط مرتفعة، ولاحظوا زيادة كثافة المادة عند تحولها إلى الحالة السائلة، وهو سلوك غير معتاد أثار تساؤلات حول طبيعة الماس أثناء الانصهار.
كما أظهرت تجارب أجريت في مختبرات سانديا الوطنية إشارات إلى احتمال مرور الماس بمرحلة بلورية أخرى قبل تحوله بالكامل إلى كربون سائل. ودعمت بعض المحاكاة هذا التفسير، إلا أن عدم القدرة على رصد التركيب الذري للمادة المضغوطة مباشرة أبقى المسألة موضع نقاش. للتحقق من هذه النتائج، أجرى فريق مختبر لورانس ليفرمور الوطني تجارب ضغط ديناميكي بالليزر في مختبر الطاقة الليزرية التابع لجامعة روتشستر، داخل منشأة "أوميغا".
واستخدم الباحثون طاقة ليزر مكثفة لتبخير الطبقة الخارجية لعينة صغيرة، ما أدى إلى إطلاق موجة صدمية قوية عبر الماس الموجود في الداخل. واستمرت الظروف القاسية لجزء من مليار من الثانية فقط، ما جعل عملية جمع البيانات شديدة الصعوبة. وخلال هذه الفترة القصيرة، قاس العلماء درجة الحرارة والكثافة والانعكاس البصري والتركيب الذري للمادة، باستخدام حيود الأشعة السينية، وهي تقنية تكشف ترتيب الذرات داخل المادة.
وقال العالم في المختبر ماريوس ميلوت إن هذه التجارب مثلت المرة الأولى التي أمكن فيها فحص الماس المضغوط بالصدمة باستخدام حيود الأشعة السينية حتى مرحلة الانصهار، موضحًا أن صغر ذرات الكربون وخفة وزنها جعلا الإشارة الناتجة ضعيفة للغاية.
وساعد تطوير أجهزة تشخيص جديدة في الحصول على بيانات أكثر دقة، أظهرت درجة انصهار محدثة تتطابق مع نتائج المحاكاة الحاسوبية، لتنهي أحد أبرز أوجه الخلاف التي استمرت لنحو عقدين. أظهرت التجارب أن الكربون حافظ على بنيته الماسية حتى بداية الانصهار، دون المرور بمرحلة بلورية وسيطة كما أشارت بعض النتائج السابقة.
السبب سرعة الصدمة
ويرجح الباحثون أن السبب يعود إلى سرعة الصدمة، إذ قد لا تمتلك العينة وقتًا كافيًا لإعادة ترتيب ذراتها والانتقال إلى بنية بلورية أخرى قبل بدء الذوبان، فتظل "محصورة" في بنيتها الماسية حتى تتحول إلى سائل. وتشير هذه النتيجة إلى أن طريقة إحداث الصدمة يمكن أن تؤثر على استجابة المادة، وليس الضغط ودرجة الحرارة وحدهما، وهو ما قد يكون مهمًا عند محاكاة المواد في ظروف كثافة الطاقة العالية.
ويهدف العلماء في المرحلة الأولى إلى صهر الماس وتحويله إلى طبقة سائلة ناعمة ومتجانسة، لأن أي اضطرابات في عملية الانضغاط قد تؤثر في الضغط الواقع على الوقود وتقلل من كفاءة تفاعل الاندماج. ويستخدم العلماء في مرفق الإشعال الوطني صدمة أولية قوية نسبيًا لضمان انصهار الكبسولة بالكامل، إلا أن النتائج الجديدة تشير إلى إمكانية تحقيق ذلك باستخدام صدمات أولية أبطأ قليلًا.
وقد تسمح هذه الطريقة بالحفاظ على انصهار الماس بالكامل، مع جعل وقود الاندماج أكثر قابلية للانضغاط. وتشير النماذج إلى أن استخدام الصدمات الأبطأ يمكن أن يضاعف مكاسب طاقة الاندماج ثلاث مرات، بشرط السيطرة على العوامل الأخرى التي قد تؤثر في كفاءة العملية.














