مثلما يوجد خاسرون ومتضررون من الحروب، يوجد أيضًا رابحون من نمو صناعة الدفاع التي تشهد موجات طلب غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة مدفوعة بإعادة بناء مخزونات الأسلحة للدول، وتوسيع ترساناتها، والاستعداد لاحتمال اتساع رقعة الصراعات.
الولايات المتحدة.. المستفيد الأكبر
تبرز الولايات المتحدة في مقدمة المستفيدين من هذا التحول، باعتبارها أكبر قوة عسكرية في العالم، وموطنًا لأكبر تجمع من شركات الصناعات الدفاعية. وتتجاوز أهمية الولايات المتحدة كونها أكبر دولة من حيث الإنفاق العسكري؛ فهي أيضًا القوة المهيمنة على سوق تصدير الأسلحة. ووفق أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI»، بلغت إيرادات أكبر 100 شركة أسلحة وخدمات عسكرية في العالم 679 مليار دولار خلال 2024، بزيادة 5.9% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى يسجله المعهد على الإطلاق.
وتتصدر الولايات المتحدة هذه الموجة؛ إذ ضمت قائمة SIPRI 39 شركة أميركية من أكبر 100 شركة سلاح عالميًا، وبلغ إجمالي إيراداتها من الأسلحة 334 مليار دولار في 2024، بزيادة 3.8% عن العام السابق. وكانت 30 من الشركات الأميركية الـ39 قد سجلت زيادة في إيراداتها. وجاءت خمس شركات أميركية ضمن أكبر ست شركات أسلحة في العالم وهي Lockheed Martin وRTX وNorthrop Grumman وGeneral Dynamics وBoeing، بينما جاءت البريطانية BAE Systems في المركز الرابع.
وتعززت هذه المكانة مع الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والمنافسة المتزايدة مع الصين، إذ دفعت هذه التطورات دولًا عديدة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وشراء الطائرات المقاتلة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والذخائر.
شركات الدفاع الأعلى من حيث الإيرادات
Lockheed Martin
تصدرت Lockheed Martin شركات السلاح عالميًا بإيرادات أسلحة بلغت 64.65 مليار دولار في 2024. لكن أحدث نتائج الشركة تظهر أن الزخم استمر بعد ذلك؛ فقد بلغت مبيعاتها 20.1 مليار دولار في الربع الثاني من 2026، بزيادة نحو 11% على أساس سنوي، بينما ارتفع دفتر طلباتها إلى مستوى قياسي بلغ نحو 230 مليار دولار.
وكانت زيادة إنتاج الصواريخ والذخائر أحد أبرز محركات النمو؛ إذ ارتفعت إيرادات قطاع الصواريخ وأنظمة التحكم بالنيران في الربع الثاني من 2026 بنحو 19% إلى 4.1 مليار دولار، مدفوعة بارتفاع إنتاج صواريخ PAC-3 وPrecision Strike. كما وقعت الشركة عقدًا بقيمة 35 مليار دولار مع الحكومة الأميركية لرفع إنتاج صواريخ THAAD إلى أربعة أضعاف مستواه السابق.
أما على مستوى الإنتاج الفعلي، فقد سلمت Lockheed Martin 191 مقاتلة F-35 خلال 2025، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 142 طائرة. كما أعلنت الشركة إنتاج 620 صاروخ PAC-3 MSE خلال 2025، مع استمرار خطط توسيع الطاقة الإنتاجية لتلبية الطلب الأميركي والدولي.
وتشمل الأسلحة التي يتزايد عليها الطلب لدى الشركة PAC-3 MSE للدفاع الجوي والصاروخي، وTHAAD لاعتراض الصواريخ الباليستية، إضافة إلى صواريخ JASSM وLRASM وPrecision Strike، وهي منظومات ترتبط بصورة مباشرة بجهود الولايات المتحدة وحلفائها لتعويض المخزونات ورفع قدرات الضربات بعيدة المدى.
RTX
جاءت RTX في المركز الثاني عالميًا بإيرادات أسلحة بلغت 43.6 مليار دولار في 2024. وفي الربع الثاني من 2026، ارتفعت مبيعات قطاع Raytheon الدفاعي إلى 8.27 مليار دولار، بزيادة 18% عن الفترة نفسها من 2025، مدفوعة بارتفاع حجم المبيعات في أنظمة الدفاع الأرضية والجوية والبرامج البحرية، بما فيها Patriot وStandard Missile وAMRAAM.
وفي 2025، رفعت Raytheon إنتاجها 20% عبر عدد من البرامج العسكرية الحيوية بهدف دعم إعادة ملء مخزونات الذخائر، وشملت الزيادة صاروخ GEM-T المستخدم في منظومة Patriot، وAMRAAM، وCoyote المستخدم في مكافحة الطائرات المسيّرة.
أما أحدث قفزة في الإنتاج فجاءت مع صاروخ Tomahawk؛ إذ منحت الولايات المتحدة Raytheon في أغسطس 2026 عقدًا بقيمة 22.9 مليار دولار لمدة سبع سنوات، يستهدف رفع معدل الإنتاج من نحو 60 صاروخًا سنويًا إلى أكثر من 1,000 صاروخ سنويًا، في إطار جهود واشنطن لإعادة بناء مخزونات الأسلحة التي تعرضت لضغوط بسبب إمداد الحلفاء والاستخدام العملياتي.
وبلغ إجمالي دفتر طلبات RTX ما قيمته 289 مليار دولار في الربع الثاني من 2026، منها 119 مليار دولار في قطاع الدفاع، بزيادة إجمالية قدرها 22% على أساس سنوي. كما قالت الشركة إن ما يقرب من نصف حجوزات Raytheon في النصف الأول من 2026 جاءت من عملاء دوليين، مع قوة خاصة في الطلب الأوروبي.
General Dynamics
بلغت إيرادات General Dynamics من الأسلحة 33.63 مليار دولار في 2024، وفق SIPRI. وفي 2025 حققت الشركة إجمالي إيرادات بلغ 52.6 مليار دولار، بينما بلغ دفتر الطلبات 118 مليار دولار في نهاية العام. واستمر النمو خلال 2026؛ إذ بلغ دفتر طلبات الشركة 136.5 مليار دولار في نهاية الربع الثاني، منها 27.5 مليار دولار لقطاع Combat Systems الذي يشمل المركبات القتالية وأنظمة الأسلحة والذخائر. كما بلغت الطلبات الجديدة في قطاعات الدفاع خلال الربع 14.7 مليار دولار.
وتبرز ضمن منتجات هذا القطاع دبابات Abrams والمركبات القتالية والذخائر، ما يعكس أن موجة إعادة التسلح لا تقتصر على الصواريخ والدفاع الجوي، بل تشمل أيضًا الأسلحة البرية والذخائر التقليدية.
Northrop Grumman
حققت Northrop Grumman إيرادات أسلحة بلغت 37.85 مليار دولار في 2024، وجاءت في المركز الثالث عالميًا. وفي نهاية 2025 بلغ دفتر طلبات الشركة 95.7 مليار دولار، قبل أن يرتفع إلى مستوى قياسي جديد بلغ 105 مليارات دولار في الربع الثاني من 2026، بعد حصولها على صافي عقود بقيمة 20 مليار دولار خلال الربع. كما ارتفعت مبيعاتها الفصلية 5% إلى 10.9 مليار دولار.
وكان من أبرز العقود التي دعمت هذه القفزة عقد بقيمة 7.6 مليار دولار لبرنامج Sentinel للصواريخ الباليستية العابرة للقارات، إلى جانب قوة الطلب على الأسلحة التكتيكية. وتقول الشركة إن لديها القدرة الإنتاجية اللازمة لزيادة طاقتها في هذا المجال.
Boeing
تأتي Boeing ضمن أكبر شركات السلاح عالميًا، وبلغت إيراداتها من الأسلحة 30.55 مليار دولار في 2024 وفق SIPRI. وفي 2025 بلغ دفتر طلبات قطاع Defense, Space & Security لدى Boeing نحو 84.8 مليار دولار، مقابل 64 مليارًا في نهاية 2024، وسجل القطاع في الربع الرابع إيرادات قدرها 7.4 مليار دولار. وشملت العقود الجديدة خلال ذلك الربع 15 طائرة KC-46A و96 مروحية AH-64E Apache.
وفي الربع الثاني من 2026، ارتفعت إيرادات قطاع الدفاع والفضاء والأمن لدى Boeing إلى 7.5 مليار دولار مدفوعة بزيادة حجم الأعمال. كما بدأت الشركة الإنتاج الأولي منخفض المعدل لطائرة T-7A Red Hawk، وواصلت برامج KC-46A وApache وMQ-25.
الصواريخ والذخائر.. موجة الطلب الأعلى
تكشف بيانات الشركات أن الصواريخ والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي أصبحت في قلب موجة إعادة التسلح. وتشمل أبرز الأسلحة التي ارتفع عليها الطلب Patriot PAC-3 وTHAAD وTomahawk وJASSM وLRASM وAMRAAM وGEM-T وSM-3 وPrecision Strike، إلى جانب الذخائر والمركبات القتالية.
ويظهر ارتباط هذه الطفرة بالحروب بصورة أوضح في أحدث البيانات؛ فقد ذكرت Reuters أن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران دفعا وزارة الدفاع الأميركية إلى السعي لإعادة ملء مخزونات الأسلحة، بينما ارتفعت إيرادات Lockheed من قطاع الصواريخ بنحو 19% في الربع الثاني من 2026، وارتفعت مبيعات Raytheon الدفاعية 18%.
وتشير تقديرات نقلتها Financial Times إلى أن الولايات المتحدة استهلكت أعدادًا كبيرة من صواريخ Patriot خلال العمليات الأخيرة، إلى جانب ما قدمته لأوكرانيا، ما أدى إلى اختناقات في الطلب قد تمتد لسنوات. كما طلبت وزارة الدفاع الأميركية 785 صاروخ Tomahawk ضمن موازنة 2027، مقارنة بمتوسط شراء بلغ نحو 86 صاروخًا سنويًا خلال العقد السابق.













