أثارت الإقالة المفاجئة لوزير الدفاع الأوكراني، ميخايلو فيدوروف، بعد 6 أشهر فقط من توليه المنصب، موجة غضب شعبي عارمة واحتجاجات نادرة في زمن الحرب شهدتها العاصمة كييف وعدة مدن أخرى، واحتشد مئات المتظاهرين خارج مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي للتعبير عن رفضهم للقرار، مطالبين بإقالة رئيس أركان الجيش أولكسندر سيرسكي بدلًا من فيدوروف.
وتزامنت هذه الأزمة مع تعديل حكومي واسع يقوده رئيس الوزراء الجديد، المسؤول التنفيذي في قطاع الطاقة سيرجي كوريتسكي، وسط تكهنات برلمانية حول إمكانية استبدال وزير الداخلية الحالي إيهور كليمنكو بفيدوروف، وهي الخطوة التي يراها الشارع تقليلًا من شأن الوزير الإصلاحي وهزًا للثقة في قيادة زيلينسكي.
رحلة صعود وزير الدفاع الأوكراني المُقال
وُلد فيدوروف البالغ من العمر 35 عامًا في بلدة فاسيليفكا جنوب البلاد، ونشأ في مدينة زابوريزهيا، بدأ مسيرته كمتخصص شاب في مجالات التسويق الرقمي، ولفت انتباه زيلينسكي، وتولى إدارة حملته الانتخابية المبتكرة على وسائل التواصل الاجتماعي والتي قادته للفوز بالرئاسة عام 2019.
وعقب الفوز، عُين فيدوروف وزيرًا للتحول الرقمي وهو في الـ28 من عمره، لينجح في إطلاق تطبيق "ديا" الشهير الذي حوّل المعاملات الحكومية الورقية المعقدة إلى خدمات رقمية بسيطة، منفذًا شعار "الدولة في هاتف ذكي".
وتجلت عبقرية فيدوروف التقنية مع بداية الغزو الروسي الشامل عام 2022، فقد نجح من خلال نداء علني لإيلون ماسك في تفعيل شبكة إنترنت الأقمار الصناعية "ستارلينك" في أوكرانيا، والتي تحولت إلى شريان حياة للاتصالات العسكرية.
كما قاد مشروع "جيش الطائرات دون طيار"، وأنشأ نظامًا رقميًا مبتكرًا يربط توثيق الضربات العسكرية بمكافآت لشراء الأسلحة، ما وفر لوزارته كميات ضخمة من بيانات ساحة المعركة استغلتها كييف كورقة ضغط للحصول على دعم حلفائها الغربيين.
وعود فيدوروف لإصلاح المؤسسة العسكرية
بعد ترقيته لوزارة الدفاع في يناير 2026، حاول فيدوروف نقل فكره الرقمي لإصلاح الوزارة التي أنهكتها قضايا الفساد وسوء الإدارة، واضعًا خططًا استراتيجية لإلحاق خسائر بشرية واقتصادية فادحة بروسيا، لكن مساعيه لإعادة هيكلة عقود الخدمة العسكرية لقوات يبلغ قوامها مليون جندي واجهت انتقادات واسعة من الجنود القدامى الذين شعروا بعدم العدالة وتفضيل المجندين الجدد.
وفضلًا عن ذلك، أدت محاولاته لإصلاح منظومة المشتريات الدفاعية والتجنيد الإجباري إلى توتر شديد وصدام مباشر في الرؤى مع رئيس أركان الجيش، الجنرال أولكسندر سيرسكي، البالغ من العمر 60 عامًا، والذي يتهمه منتقدوه باتباع أساليب قيادة صارمة تؤدي لزيادة الخسائر البشرية.
تداعيات إقالة وزير الدفاع الأوكراني
لم تتوقف تداعيات القرار عند الشارع، بل امتدت لعمق المؤسسة العسكرية، إذ أعلن بافلو يليزاروف، نائب قائد القوات الجوية وأحد أبرز قادة حرب المسيرات، استقالته فورًا واصفًا الإقالة بأنها "شر عظيم" للدفاع الأوكراني.
ومن جانبه، أكد فيدوروف رفضه لعرض من زيلينسكي للعمل كمستشار، ووجه انتقادات لاذعة لرئيس الأركان سيرسكي متهمًا إياه بالتركيز على تقسيم البلاد بدلًا من التفكير في هزيمة روسيا.
وفي حين يلتزم زيلينسكي الصمت مبررًا التعديلات بالحاجة إلى "تجديد" دماء الحكومة، يراقب الكرملين المشهد معتبرًا أن تغيير الوزراء لن يحدث فرقًا ما لم تقبل كييف بتسوية سلمية مسؤولة.














