أعادت الضربات الأمريكية على إيران فتح الباب أمام تساؤلات بشأن المرحلة التالية من الصراع، بعدما وسعت واشنطن نطاق عملياتها العسكرية لتشمل الدفاعات الساحلية ومنصات الصواريخ الإيرانية، بالتزامن مع حديث مسؤولين أمريكيين عن أن هذه الهجمات لا تستهدف فقط الرد العسكري، بل تمهد لخيارات تصعيدية أوسع قد يلجأ إليها الرئيس دونالد ترامب إذا تعثرت المساعي السياسية.
ما هدف الضربات الأمريكية على الإيرانية؟
بحسب ثلاثة مسؤولين أمريكيين، فإن الضربات الأخيرة لا تقتصر على إضعاف القدرات الإيرانية الحالية، بل تهدف إلى تهيئة الظروف لتنفيذ عمليات أكثر تعقيدًا مستقبلًا من خلال استهداف أنظمة الدفاع الجوي والرادارات الساحلية ومخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ووصف أحد المسؤولين هذه العمليات بأنها "تمهيدية"، إذ تعمل على استنزاف الدفاعات الإيرانية وإعداد مسرح العمليات في حال صدور أوامر بتنفيذ هجمات أوسع، وهو ما يمنح إدارة ترامب هامشًا أكبر لاتخاذ قرار بالتصعيد إذا اقتضت التطورات ذلك.
وتأتي هذه التحركات بعد إخطار ترامب الكونغرس باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران، في وقت دخل فيه الصراع شهره الخامس عقب انهيار مذكرة التفاهم التي كانت تهدف إلى وقف القتال.
استهداف مضيق هرمز
تركز جانب كبير من الضربات الأمريكية على إيران على السواحل الإيرانية المطلة على مضيق هرمز، بعدما أعلنت طهران إغلاقه ومنعت عبور السفن، وهو ما تسبب في اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، الذي كان ينقل نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية قبل اندلاع الحرب.
وشنت القيادة المركزية الأمريكية موجتين من الغارات استهدفتا الدفاعات الساحلية ومواقع صواريخ كروز في جزيرة طنب الكبرى، قبل توسيع الضربات لتشمل بندر عباس التي تضم أكبر ميناء إيراني وقواعد رئيسية للبحرية والحرس الثوري.
كما أعلن الجيش الأمريكي اعتراض وتعطيل ناقلات وسفن حاولت الإبحار باتجاه الموانئ الإيرانية ضمن إجراءات الحصار البحري التي أعادت واشنطن فرضها.
إيران ترد بتوسيع نطاق المواجهة
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية أمريكية في البحرين والكويت والأردن، بينها قاعدة علي السالم الجوية في الكويت، مؤكدًا أن الرد يأتي في إطار ما وصفه بـ"الحرب الوجودية" مع الولايات المتحدة.
وتزامن ذلك مع تفعيل الدفاعات الجوية الإيرانية في عدة مناطق - بينها طهران - والإبلاغ عن انفجارات في بندر عباس والأهواز وخنداب، بينما قالت وسائل إعلام رسمية إن بعض الضربات وقعت بالقرب من مستشفى يضم مركزًا لعلاج سرطان الأطفال ما استدعى إخلاءً مؤقتًا للمبنى.
خيارات مطروحة أمام ترامب
يرى مسؤولون أمريكيون أن الضربات الحالية توسع قائمة الخيارات العسكرية أمام ترامب، بعدما كانت الإدارة قد ناقشت في وقت سابق سيناريوهات تشمل تأمين مضيق هرمز بالقوة، وحتى السيطرة على جزيرة خارك التي تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية.
ورغم أن مثل هذه العمليات تنطوي على مخاطر كبيرة بسبب امتلاك إيران قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة قادرة على استهداف الجزيرة، فإن ترامب أبقى هذه الخيارات مطروحة، مشيرًا إلى أن إضعاف القدرات الإيرانية قد يفتح الباب أمام خطوات أكثر جرأة.
كما لوح الرئيس الأمريكي بإمكانية استهداف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بينها موقع يعرف باسم "جبل المعول"، في رسالة تعكس استمرار سياسة الضغط العسكري إلى جانب الضغوط السياسية.
بين المكاسب التكتيكية والجمود الاستراتيجي
ورغم النجاحات العسكرية التي حققتها الضربات الأمريكية على إيران في استهداف أجزاء من البنية الدفاعية الإيرانية، يرى منتقدو الحرب أن هذه العمليات لم تحقق الهدف الاستراتيجي المتمثل في دفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية.
فإيران، رغم الخسائر، لا تزال تحتفظ بقدرات صاروخية وبطائرات مسيّرة تتيح لها تهديد الملاحة في الخليج واستهداف السفن والمنشآت العسكرية، وهو ما يجعل أي تصعيد جديد محفوفًا بتداعيات إقليمية واسعة.
ويرى محللون أن تصريحات ترامب بشأن الخيارات العسكرية قد تخدم استراتيجية الضغط على طهران وإبقائها في حالة عدم يقين، لكنها في الوقت ذاته تكشف جانبًا من الخطط الأمريكية وهو ما قد يمنح إيران فرصة للاستعداد لأي تحرك محتمل.
هل يقترب التصعيد؟
في موازاة التصعيد العسكري، واصل ترامب الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران، مؤكدًا أن طهران "تريد التسوية"، بينما كشف عن اتصالات بين المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين لحثها على إبرام صفقة.
كما شهدت الأزمة بادرة محدودة لخفض التوتر، بعدما سمحت إيران لمواطنة أمريكية كانت ممنوعة من مغادرة البلاد منذ عام 2024 بالسفر إلى الولايات المتحدة، وهو ما وصفه ترامب بأنه "بادرة حسن نية".
ورغم ذلك، تشير التطورات الميدانية إلى أن الضربات الأمريكية على إيران لم تعد مجرد رد عسكري، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية تهدف إلى توسيع خيارات واشنطن في حال تعثر المسار الدبلوماسي، لتبقى احتمالات التصعيد قائمة ما دام الصراع حول مضيق هرمز والنفوذ الإقليمي مستمرًا.












