لم تدم أجواء التفاؤل التي صاحبت توقيع مذكرة اتفاق طهران وواشنطن في شهر يونيو الطموح طويلًا، حيث أدى تجدد الأعمال العدائية بين الطرفين إلى تقويض هذا الاتفاق المهم الذي تم التوصل إليه برعاية باكستانية في إسلام آباد، الذي هدف إلى وقف إطلاق النار تمهيدًا لوصول اتفاق سلام دائم.
وتكشف التطورات المتسارعة عن عمق الخلافات الجوهرية حول قضايا حيوية، وفي مقدمتها السيطرة على مضيق هرمز، ما يعكس الصعوبات البالغة التي تواجه بناء سلام دائم، ورغم أن المذكرة المكونة من 14 بندًا كانت تهدف لإنهاء حالة الحرب وفتح الممر المائي أمام حركة التجارة، فإن غموض صياغتها وترحيل ملفات شائكة مثل البرنامج النووي الإيراني إلى مراحل لاحقة عجّل بانهيارها.
وجاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنهاء اتفاق وقف إطلاق النار الأولي ليمثل رصاصة الرحمة على هذه الجهود، متسائلًا عن مدى التزام المسؤولين الإيرانيين بما تم التفاوض عليه، وملمحًا إلى إمكانية سيطرة الولايات المتحدة على مضيق هرمز، وفي المقابل، سارعت طهران عبر المتحدث باسم وزارة خارجيتها إسماعيل بقائي إلى اتهام واشنطن بخرق التزاماتها باستمرار ودفع المذكرة نحو حافة الأزمة، بينما تجد باكستان نفسها في موقف حرج كوسط يطالب الطرفين بالوفاء بالتعهدات.
تتمحور العقدة الأكبر في الأزمة الراهنة حول مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، والذي أغلقته طهران في أعقاب الضربات الأمريكية الإسرائيلية مطلع العام، ونصت المادة الخامسة من الاتفاق على تسهيل المرور الآمن للسفن التجارية دون رسوم لمدة 60 يومًا كبادرة حسن نية، وهو بند فسرته طهران على أنه اعتراف أمريكي ضمني بحقها المطلق في إدارة المضيق.
هذا التفسير قوبل برفض قاطع من واشنطن وحلفائها في الخليج، مؤكدين أن لغة الاتفاق تلزم إيران بتسهيل الملاحة لا فرض قيود مدعومة بالقوة، وتصاعد التوتر ميدانيًا بإطلاق القوات الإيرانية النار على سفن بدعوى اتخاذ مسارات غير مصرح بها وإعلان إغلاق المضيق مجددًا، وهو ما دفع البحرية الأمريكية للإعلان عن توسيع الطريق الجنوبي للمضيق لضمان استمرار حركة المرور في كلا الاتجاهين.
أسباب اقتصادية أدت لانهيار هدنة أمريكا وإيران
ولم يقتصر الخلاف على الملاحة البحرية، بل امتد ليشمل البنود الاقتصادية الأكثر أهمية لإيران، فبموجب المادة العاشرة، تعهدت واشنطن بإصدار إعفاءات تسمح لطهران بتصدير نفطها الخام واستعادة خدماتها المصرفية والتأمينية، وهو ما اعتبرته إيران انتصارًا اقتصاديًا ثمينًا، لكن هذا الانتصار تبخر سريعًا في السابع من يوليو مع إلغاء الولايات المتحدة لهذه التراخيص ردًا على السلوك الإيراني في المضيق، ما اعتبرته طهران خرقًا صارخًا للاتفاق.
توازت هذه التطورات مع جمود في ملف الأصول الإيرانية المجمدة البالغة 6 مليارات دولار والمودعة في قطر، ورغم التزام واشنطن بموجب المادة الـ11 بإتاحة هذه الأموال، فإن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس حول نية بلاده والدوحة السيطرة على إنفاق هذه الأموال على السلع الزراعية الأمريكية أثارت غضب طهران، التي شددت عبر دبلوماسييها على أن قرار استخدام الأصول يعود إليها وحدها دون وصاية.
لبنان أحد أسباب انهيار اتفاق وقف إطلاق النار
وتشابكت خيوط الأزمة إقليميًا مع ربط إيران لنجاح الاتفاق بوقف الهجمات الإسرائيلية في لبنان، حيث انخرط حزب الله في مواجهة مباشرة مع إسرائيل منذ مارس الماضي، واعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف التحركات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني انتهاكًا غير مباشر لروح مذكرة التفاهم التي تهدف لإرساء تهدئة شاملة.
وفي ظل هذه الصراعات المتداخلة والنزاع المفتوح على الممرات المائية والموارد المالية، بات مصير مهلة الـ60 يومًا المقررة للتفاوض على اتفاق نهائي مجهولًا، مع غياب أي موعد لجولات جديدة، ويرى الخبراء السياسيون أن مذكرة التفاهم تعيش حالة موت سريري، وتحتاج الآن إلى اتفاق تكميلي عاجل لإصلاح الثغرات وتوضيح الغموض التكتيكي الذي كشف عن هشاشة بالغة في بنية الاتفاق الأصلي.













