أزمة العرش في اليابان واحدة من الأزمات المتصاعدة بعدما تقلص عدد أفراد العائلة الإمبراطورية ولم يعد هناك سوى ثلاثة رجال مؤهلين لتولي الحكم، ومع بحث الحكومة عن ورثة ذكور من فروع سابقة، يتجدد الجدل حول استمرار استبعاد النساء من العرش رغم التأييد الشعبي لتغيير القواعد.
أزمة العرش في اليابان
وتعود القيود الرسمية على تولي النساء العرش إلى قانون البلاط الإمبراطوري الصادر عام 1889 خلال عصر ميجي، الذي حصر الخلافة في الذكور المنحدرين من السلالة الأبوية، ومع ذلك، لا يتضمن الدستور الياباني العام نصًا يمنع المرأة من أن تصبح إمبراطورة.
ويرى البروفيسور ماكوتو أوكاوا، المتخصص في دراسة السلالة الإمبراطورية بجامعة تشوو في طوكيو، أنه من الصعب العثور على أساس عقلاني لاستبعاد النساء، مؤكدًا أن هذا المنع لا يمكن اعتباره تقليدًا يابانيًا أصيلًا، خصوصًا أن اليابان عرفت عبر تاريخها ثماني إمبراطورات.
وتظهر استطلاعات رأي مختلفة أن غالبية اليابانيين يؤيدون السماح للمرأة باعتلاء العرش، لكن رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي والحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم يتمسكان بالإبقاء على نظام الخلافة الذكوري، ويريان أن الأهلية يجب أن تظل محصورة في الذكور من النسب الإمبراطوري.
ولا تتضمن التعديلات الحكومية المقترحة أي مسار يسمح للأميرات أو أبنائهن باعتلاء العرش، ما يبقي أزمة العرش في اليابان قائمة في ظل تقلص عدد أفراد العائلة الإمبراطورية وارتفاع متوسط أعمارهم.
من 67 فردًا إلى 16 فقط
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 1947، عندما عُدّل قانون البلاط الإمبراطوري بعد الحرب العالمية الثانية بهدف تقليص حجم العائلة والحد من الإنفاق الملكي.
وأدى التعديل إلى إلغاء 11 فرعًا جانبيًا من العائلة الإمبراطورية، كانت توفر خيارات إضافية من المرشحين الذكور عند غياب وريث في السلالة الرئيسية، فضلا عن تحول 51 فردًا من أفراد العائلة إلى مواطنين عاديين ليتراجع عدد أعضاء البلاط الإمبراطوري من 67 إلى 16 فقط.
وتفاقمت أزمة العرش في اليابان بسبب القاعدة التي تلزم الأميرات بمغادرة العائلة الإمبراطورية عند الزواج من عامة الشعب، ما أدى إلى استمرار تقلص عدد أعضائها وزيادة الأعباء الرسمية على من تبقى منهم.
ويبلغ الإمبراطور ناروهيتو 66 عامًا، وله ابنة واحدة هي الأميرة آيكو، البالغة 24 عامًا، والتي تحظى بشعبية واسعة، لكنها غير مؤهلة لاعتلاء العرش بسبب جنسها وحتى إذا أنجبت ابنًا مستقبلًا، فلن يكون مؤهلًا للخلافة وفق القواعد الحالية.
وفي المقابل، تضم قائمة المؤهلين للخلافة ثلاثة رجال فقط: الأمير أكيشينو، شقيق الإمبراطور الأصغر، البالغ 60 عامًا، وابنه الأمير هيساهيتو، البالغ 19 عامًا، إلى جانب الأمير هيتاشي، عم الإمبراطور، البالغ 90 عامًا.
ويُعد هيساهيتو المرشح الأكثر احتمالًا لاعتلاء العرش مستقبلًا، كما أنه أول ذكر في العائلة الإمبراطورية يبلغ سن الرشد منذ 40 عامًا، في مؤشر واضح إلى حجم النقص في الورثة الذكور.
الحكومة تبحث عن ورثة ذكور
لمواجهة أزمة العرش في اليابان، تقترح الحكومة إعادة بعض الذكور المنحدرين من الفروع الإمبراطورية التي أُلغيت عام 1947.
ويقضي المقترح بالسماح للعائلة الإمبراطورية بـ«تبني» أفراد من هذه الفروع، على ألا تقل أعمارهم عن 15 عامًا، وأن يكونوا غير متزوجين وليس لديهم أطفال، على أن يصبح أبناؤهم مستقبلًا مؤهلين لاعتلاء العرش.
كما يسمح مشروع القانون للأميرات بالبقاء ضمن العائلة الإمبراطورية بعد الزواج من عامة الشعب، حتى يشاركن في أداء الواجبات الرسمية وتقاسم المسؤوليات، لكن من دون منحهن أو أبنائهن حق الخلافة.
ويرى منتقدو المقترح أنه لا يقدم سوى حل مؤقت، لأنه يبقي مستقبل العائلة الإمبراطورية مرتبطًا بعدد محدود من الرجال وأبنائهم. ويحذر أوكاوا من أن استمرار استبعاد النساء سيجعل ضمان استقرار انتقال العرش أمرًا بالغ الصعوبة على المدى الطويل.
التقاليد في مواجهة المساواة
في المقابل، يتمسك مؤيدو نظام الخلافة الحالي بالحفاظ على انتقال العرش عبر السلالة الذكورية، باعتباره تقليدًا أساسيًا في تاريخ المؤسسة الإمبراطورية.
ويقول تسونياسو تاكيدا، المنحدر من أحد الفروع الإمبراطورية السابقة، إن تغيير هذا النظام قد يثير انقسامًا بشأن شرعية الإمبراطور، محذرًا من إخضاع التقاليد الإمبراطورية لما وصفه بـ«مسابقة شعبية».
لكن مؤيدي التغيير يشيرون إلى أن اليابان عرفت ثماني إمبراطورات في تاريخها، ويرون أن استمرار استبعاد النساء يتعارض مع مبادئ المساواة والتحولات الاجتماعية الحديثة.
وبين التمسك بتقاليد الخلافة الذكورية والبحث عن حلول تضمن استمرار أقدم نظام ملكي متواصل في العالم، تضع أزمة العرش في اليابانالبلاد أمام خيار صعب: إعادة ورثة ذكور من فروع أُلغيت قبل عقود، أم فتح الطريق أمام النساء لاعتلاء «عرش الأقحوان»؟














