تبدو الأزمة الراهنة التي يواجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع الملف الإيراني أشبه بوهم بصري معقد، إذ تصعد الأحداث وتنخفض بلا نهاية لكنها تعود دائمًا إلى نقطة البداية ذاتها، هذا المأزق لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج مباشر لسياسات الإدارة الأمريكية الحالية التي شنت حربًا افتقرت إلى استراتيجية خروج واضحة، وصاغت اتفاقيات فشلت في معالجة الجذور الحقيقية للصراع.
ومع الهدوء الحالي عقب الضربات الجوية الأمريكية الأخيرة التي استهدفت طهران ردًا على هجماتها ضد السفن التجارية في مضيق هرمز، تجد واشنطن نفسها أمام معضلة مألوفة وشديدة التعقيد، تتأرجح بين خيار التصعيد العسكري ذي التكلفة الباهظة، أو محاولة إنعاش اتفاق سلام معيب يتطلب دفع مليارات الدولارات لمجرد الجلوس على طاولة المفاوضات.
تصعيد الحرب الإيرانية يهدد بأزمة طاقة عالمية
تثير فكرة الذهاب نحو مواجهة عسكرية واسعة النطاق مخاوف هائلة نظرًا لتبعاتها البشرية والاقتصادية والسياسية الكارثية، ورغم أن سيناريو الغزو الشامل لإيران يبدو مستبعدًا، فإن الإدارة الأمريكية قد تدرس خيارات بديلة مثل ضرب البنية التحتية ومحطات الطاقة، أو تنفيذ عمليات برية محدودة للاستحواذ على جزيرة خارك النفطية لصد القوات الإيرانية.
ومع ذلك، فإن خطورة هذه الخطوات تكمن في الردود الانتقامية المتوقعة من جانب طهران، والتي قد تطال القواعد الأمريكية والمنشآت النفطية لحلفاء واشنطن في الخليج، ما يهدد بإشعال أزمة طاقة عالمية ورفع أسعار الوقود، وهو أمر حاول ترامب تجنبه مرارًا خشية انعكاساته السلبية على شعبيته السياسية وعلى حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي القريبة.
وعلاوة على ذلك، يرى المراقبون والمسؤولون الديمقراطيون في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب أن خيار الحرب الشاملة لن ينجح في القضاء التام على قدرة إيران على تهديد الممرات المائية، إذ إن تقنيات الحروب الحديثة تسمح بإرباك حركة الشحن التجاري عبر طائرات مسيرة بسيطة يمكن إطلاقها من مواقع متفرقة وعن بعد، وتؤكد هذه الرؤية الخلل الجوهري في أطروحات المتشددين الذين يطالبون بحسم المعركة عسكريًا، متناسين أن جغرافيا وثقل إيران يمنعان الوصول إلى سيناريو الاستسلام غير المشروط.
حصار أمريكا الاقتصادي لإيران
في مقابل الخيار العسكري المباشر، برزت فرضية إعادة تفعيل الحصار الاقتصادي الصارم على الموانئ وصادرات النفط الإيرانية بعد إلغاء الإعفاءات المتفق عليها مؤخرًا، ورغم أن طهران أظهرت قدرة كبيرة على تحمل الضغوط الاقتصادية السابقة دون التراجع عن مواقفها، فإن خبراء عسكريين يرون أن استهداف عصب الاقتصاد الإيراني وشل حركته قد يمثل الخيار الأقل سوءًا أمام واشنطن، ويمكن لهذا الضغط المؤلم والمستمر أن يجبر النظام في نهاية المطاف على مراجعة حساباته، ليس تعاطفًا مع معاناة مواطنيه، بل خوفًا من التداعيات السياسية والاضطرابات الداخلية التي قد تنجم عن انهيار اقتصادي ممتد إلى أجل غير مسمى.
أما الخيار البديل والأكثر مرارة فيتمثل في الانسحاب الأمريكي التام وترك المجتمع الدولي في مواجهة واقع جديد يتسم بالنزاع المستمر في مضيق هرمز، وهذا السيناريو يعني القبول بارتفاع دائم في أسعار الطاقة والمخاطر الأمنية للشحن، وهي تداعيات لن تكون الأسواق الأمريكية بمنأى عنها، فضلًا عما يمثله ذلك من اعتراف بهزيمة استراتيجية صريحة تلحق الضرر بصورة القوة الأمريكية عالميًا، وتمنح طهران ورقة رابحة للأبد تتباهى بها كأكبر مكاسبها من هذه المواجهة.
فشل مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران
يعود الفشل السريع لمذكرة التفاهم الأخيرة إلى طبيعتها المبهمة وافتقارها لآليات تنفيذ حقيقية، إلى جانب اعتمادها الساذج على تصديق نوايا الجانب الإيراني، وقد كشفت التقارير أن الوثيقة التي تفاوض عليها فريق المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأمريكي جاريل كوشنر أُبرمت دون استشارة كافية للخبراء الحكوميين والعلماء النوويين ذوي الخبرة الطويلة في هذا الملف المعقد، ويعكس هذا الإخفاق زيف الافتراضات التي تبنتها إدارة يقودها رجال أعمال، والتي اعتقدت واشنطن من خلالها أن جميع الأطراف الدولية يمكن ترويضها بالمكاسب المالية ورفع العقوبات، وهو ذات الرهان الذي ثبت تهاويه سابقًا في ملفات دولية أخرى.
وفي المقابل، فإن طهران تلعب أيضًا بالنار، إذ إن تمسك الحرس الثوري بنهجه المتشدد وسعيه لفرض رسوم مرور وتحويل المضيق الحيوي إلى مصدر دخل، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تحشد الدعم الإقليمي والدولي وراء أي توجه أمريكي عنيف، خاصة في ظل وجود مؤشرات على انقسامات داخلية بين تيارات قومية متشددة وأخرى أكثر ميلًا للتفاوض.
أمام هذه الخيارات المحدودة والضيقة، لم يجد الرئيس الأمريكي سوى العودة إلى استراتيجيته التقليدية المعتمدة على إطلاق التهديدات اللفظية السريعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، محذرًا من ردود فعل أشد قسوة في حال تكرار الهجمات، وهي تحذيرات لم تعد تجد صدى كبيرًا لدى الجانب الإيراني الذي واجه سابقًا حملات قصف أكثر عدوانية.
وتجلى هذا التناقض الاستراتيجي بوضوح في تصريحات ترامب المتضاربة خلال عودته من قمة الناتو في تركيا، حيث أعلن تارة انتهاء مذكرة التفاهم ووصف طهران بالجنون، بينما ترك الباب مواربًا أمام مفاوضيه للاستمرار في الحوار، مدعيًا في الوقت ذاته أن إيران تتصل برغبة عارمة لإبرام صفقة جديدة، في مفارقة تبدو وكأن ترامب يشن فيها معركة ليس ضد خصومه فحسب، بل ضد حقائق الواقع السياسي على الأرض.












