مستقبل الحرب الإيرانية وآفاق التوصل إلى صفقة دبلوماسية شاملة لإنهاء هذا الصراع الإقليمي بات يرتكز بشكل كامل على ما يحدث في جبهة لبنان.
هذه المعادلة الجديدة هي نتاج مساعي طهران الدؤوبة لربط مصير الجبهات ببعضها، وإثر التباين المتزايد في الأولويات السياسية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مما جعل الجبهة اللبنانية تقفز من مجرد معركة ثانوية لتصبح المحرك الأساسي للمشهد ككل.
بيروت ترسم مستقبل الحرب الإيرانية
ولم يكد ينتهي تبادل إطلاق النار العنيف بين إسرائيل وإيران، حتى برز دور بيروت المحوري ليرسم ملامح مستقبل الحرب الإيرانية؛ ففي الوقت الذي أعلن فيه الحرس الثوري الإيراني تعليق هجماته الصاروخية، رهن استمرار هذه التهدئة بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حليفه "حزب الله".
وجاء في بيان صادر عن مقر "خاتم الأنبياء" التابع للحرس الثوري، أن أي اعتداء مستمر في جنوب لبنان سيواجه بإجراءات أشد قسوة وسحقًا بكثير مما سبق، وهو تهديد واجهته تل أبيب بالرفض القاطع لربط الجبهات وتكثيف الغارات الجوية ضد معاقل الحزب.
وتضاعف طهران من استراتيجية الربط هذه منذ اتفاق أبريل الماضي، وهي خطوة أحدثت شرخًا واضحًا بين حسابات ترامب ونتنياهو.
فبينما يكره ترامب العودة إلى مربع التصعيد العسكري بسبب العبء الاقتصادي والسياسي وارتفاع أسعار الوقود في أمريكا، استبعد نتنياهو الدبلوماسية متمسكًا بخيار القوة.
ودفع هذا التعارض ترامب إلى التدخل عبر مكالمات هاتفية حادة لإجبار نتنياهو على إلغاء ضربات جوية مخططة في بيروت، بعد أن هددت إيران بتعليق المفاوضات الثنائية بالكامل إذا تعرضت العاصمة اللبنانية للقصف.
حسابات الخريف ترهن مستقبل الحرب الإيرانية
يواجه كلا الرجلين انتخابات مصيرية في الخريف القادم؛ فالانتخابات النصفية تؤرق ترامب، بينما تحدد البرلمانية بقاء نتنياهو في السلطة من عدمه.
وفي الوقت الذي تميل فيه المصالح الأمريكية نحو معالجة الأزمات الاقتصادية الناجمة عن حصار مضيق هرمز وإعادة تدفق النفط، ترى إسرائيل أن خروج إيران وحزب الله دون هزيمة ساحقة يمثل تهديدًا وجوديًا لها، وهو ما جعل نتنياهو يتوق للعودة إلى الصراع المفتوح، معتبرًا أن صواريخ حزب الله على الشمال تمنحه خارطة طريق شرعية لتفخيخ أي تقارب أمريكي إيراني.
وتظل الدبلوماسية الرامية إلى نزع سلاح حزب الله، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب، معتمدة كليًا على فك عقدة الشروط المتبادلة؛ فالحزب يرفض سحب قواته قبل انسحاب إسرائيل أولًا.
وفي إسلام أباد، حيث تُعقد جولات المفاوضات السرية، باتت العاصمة الباكستانية تدرك أن صياغة مستقبل الحرب الإيرانية تمر حتمًا عبر الأراضي اللبنانية، مما يفسر لقاءات الطوارئ التي عقدها الوسيط الباكستاني المشير عاصم منير مع قيادة الجيش اللبناني لبحث ترتيبات أمنية معقدة في معاقل الحزب الجنوبية.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن حل الأحجية الأمريكية الإيرانية لا يتطلب فقط تسوية ملفات التخصيب النووي، والأصول المجمدة، وأمن الملاحة في الخليج؛ بل إن لبنان بات يشكل قطب الرحى الفعلي في هذه المعادلة.
وسيبقى الصراع مرشحًا للانفجار في أي لحظة طالما بقيت جبهة بيروت ورقة ضغط استراتيجية في يد طهران، لتؤكد أن أي قراءة لسيناريو مستقبل الحرب الإيرانية ستظل محكومة بالحديد والنار على طول الشريط الحدودي للبنان ومآلات الوضع الميداني فيه.














