تكتسب غرينلاند أهمية استراتيجية عالمية فريدة، ليس لموقعها الجغرافي فحسب، بل لدورها المتنامي في الشؤون الدولية والسياسية. إذ تتميز الجزيرة بخصوصية تجعلها محط أنظار القوى الكبرى، ويزداد الاهتمام بها في ظل التغيرات العالمية السريعة.

الموقع الاستراتيجي والممرات البحرية

تنبع أهمية غرينلاند من موقعها الجيوسياسي الفريد على ممر غرينلاند-أيسلندا-المملكة المتحدة (GIUK Gap)، وهو طريق بحري حيوي لرصد الغواصات الروسية وربما الصينية عند دخولها المحيط الأطلسي. ويعتبر الممر خط الدفاع الأول لمراقبة تحركات البحرية الروسية والأنشطة العسكرية في المنطقة، ويشكل جزءًا من التخطيط الأمني الأمريكي والأوروبي لمواجهة أي تهديد في المحيط الأطلسي.

كما تحتضن الجزيرة قاعدة "بيتوفيك" الفضائية، المعروفة سابقًا باسم قاعدة "ثول" الجوية، والتي تمثل مركزًا للإنذار المبكر بالصواريخ والمراقبة الفضائية، بما يشمل رصد الصواريخ وتتبع الأقمار الصناعية والمراقبة الإقليمية للقطب الشمالي. ويسمح الموقع أيضًا بإنشاء بنية تحتية آمنة للاتصالات الأرضية والأقمار الصناعية، وهو أمر بالغ الأهمية لمواجهة التهديدات السيبرانية وتطور القدرات الفضائية للخصوم.

من ناحية أخرى، يُبرز ذوبان الجليد القطبي، مسارات ملاحية جديدة، أبرزها طريق بحر الشمال عبر روسيا والممر الشمالي الغربي عبر كندا، إضافة إلى احتمالات لمسار مباشر عبر القطب الشمالي بحلول منتصف القرن. وتساهم هذه الممرات في تقليل مدة الشحن بين آسيا وأوروبا بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بقناة السويس، مما يجعل غرينلاند محورًا استراتيجيًا للتجارة العالمية.

الموارد الطبيعية الغنية

تمثل الموارد الطبيعية في غرينلاند أحد أهم عناصر أهميتها الاستراتيجية وهي:

العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية.. تحتوي الجزيرة على 39 معدنًا حيويًا مهمًا للأمن القومي الأمريكي، تشمل الجرافيت، النيكل، النحاس، الزنك، التيتانيوم، الفاناديوم، التنجستن، وبعض رواسب اليورانيوم. وهذه المعادن ضرورية لصناعة البطاريات، السيارات الكهربائية، توربينات الرياح، الأقمار الصناعية، والمعدات العسكرية عالية التقنية.

النفط والغاز.. تقدّر الاحتياطيات المحتملة بـ17.5 مليار برميل نفط و148 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي قبالة السواحل، إلا أن الحكومة أوقفت تراخيص التنقيب الجديدة منذ 2021 بسبب المخاطر البيئية والاقتصادية.

المياه العذبة.. تحتوي الجليديات على نحو 10% من مخزون المياه العذبة العالمي تحت غطائها الجليدي، ما يجعل الجزيرة موردًا حيويًا مستقبليًا، كما أن هناك توجهات لاستكشاف طرق لتصدير مياه الجليد النقية للاستخدام الصناعي أو الغذائي.

مصايد الأسماك.. تعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي، خصوصًا صيد الروبيان وسمك القد، وتشكل مصدرًا مهمًا للإمدادات الغذائية العالمية.

أهم الرواسب المعدنية ومواقعها

العناصر الأرضية النادرة.. تتركز في مقاطعة غاردار الجنوبية، وتشمل شركات مثل كريتيكال ميتالز كورب، Energy Transition Minerals، وNeo Performance Materials، التي تطور مشاريع مختلفة مثل Tanbreez وKuannersuit.

الجرافيت.. موجود في مواقع عديدة، بما في ذلك مشروع أميتسوك الذي تقدمت بطلب لتطويره شركة Green Rock (GROC.L).

النحاس والنيكل والبلاتين والكوبالت.. تشمل مناطق شمال شرق ووسط شرق الجزيرة، مع مشاريع تطوير مثل Disco-Nuussuaq وامتلاك تراخيص من Anglo American (AAL.L).

الزنك.. توجد رواسب ضخمة شمال الجزيرة، مثل مشروع Citronen Fjord الذي يعد من أكبر موارد الزنك غير المستغلة في العالم.

الذهب.. مناطق محتملة في جنوب الجزيرة قرب مضيق Sermiligarsuk، مع منجم نالوناك الذي افتتح حديثًا بواسطة شركة Amaruq Minerals (AMRQ.V).

الألماس وخام الحديد والتيتانيوم والفاناديوم والتنجستن واليورانيوم.. موزعة في مناطق مختلفة، مع تقييد تعدين اليورانيوم منذ 2021 بقرار من حزب إنويت أتاقاتيجيت اليساري.

التنافس الدولي في القطب الشمالي

أعادت الإدارة الأمريكية التركيز على غرينلاند باعتبارها منطقة استراتيجية حيوية. إذ أعرب الرئيس الامريكي دونالد ترامب أكثر من مرة عن رغبته في ضم الجزيرة اقتصاديًا أو عسكريًا، مبررًا ذلك بالحاجة لتعزيز الأمن القومي الأمريكي ومواجهة النفوذ المتنامي لكل من روسيا والصين في القطب الشمالي. وفي ديسمبر 2025، تم تعيين جيف لاندري كمبعوث خاص لغرينلاند، في خطوة تؤكد أن واشنطن تعتبر الجزيرة عنصرًا أساسيًا في استراتيجيتها القطبية، سواء لتعزيز الدفاع أو لمراقبة الموارد الطبيعية الحيوية.

من جانبها، تسعى روسيا لتوسيع وجودها العسكري عبر إعادة فتح قواعد قديمة وبناء قواعد جديدة، وامتلاك أسطول شمالي ضخم وكاسحات جليد نووية، وتطوير صواريخ فرط صوتية، إذ تعتبر غرينلاند خط المواجهة الأول لحلف الناتو لمراقبة النشاط الروسي في القطب الشمالي. اما الصين فتصف نفسها بدولة "شبه قطبية"، وتشارك في البحث العلمي والتعدين، وتسعى لربط طريق بحر الشمال بشبكتها التجارية العالمية ضمن مشروع طريق الحرير القطبي لتأمين موطئ قدم في القطب الشمالي، وتقليل اعتمادها على مضيق ملقا.

وبالنظر إلى الأبعاد السياسية لبسط النفوذ في الجزيرة، يتضح أن غرينلاند تتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، ما يمنح كوبنهاغن نفوذًا جيوسياسيًا كبيرًا. وبذلك يتيح التعاون مع الولايات المتحدة تحقيق الأهداف الأمنية دون استيلاء مباشر على الإقليم، ويحد من تعزيز النفوذ الروسي والصيني. وفي المقابل، ستؤدي أي محاولة أمريكية للسيطرة بالقوة إلى توترات دبلوماسية مع الدنمارك وغرينلاند، وتعزيز النفوذ الصيني والروسي، ونزاعات تجارية محتملة مع الاتحاد الأوروبي.

في الوقت نفسه، تشهد غرينلاند حركة متزايدة نحو تحقيق الاستقلال الكامل عن الدنمارك، الأمر الذي يمنحها صلاحية اتخاذ قراراتها الخاصة بشأن استغلال المعادن النادرة مثل النيوديميوم والليثيوم، والتي تعتبر ضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة. وفي هذا السياق، تظهر الاستراتيجية الأكثر فعالية في تعزيز أطر التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري مع القوى الكبرى، دون اللجوء إلى السيطرة المباشرة، بما يضمن استقراراً طويل الأمد وحماية مصالح الجزيرة واللاعبين الإقليميين.

التحديات والفرص المستقبلية

على الرغم من الإمكانيات الهائلة، تواجه غرينلاند تحديات كبيرة، منها الظروف المناخية القاسية والبنية التحتية المحدودة إذ إن معظم الجزيرة مغطاة بالجليد، وطرق النقل محدودة. هذا إلى جانب تعقيدات التعدين، فبعض المعادن مرتبطة بعناصر مشعة، مما يزيد المخاطر التنظيمية والبيئية. ومن ناحية الآثار البيئية، فالجزيرة تعاني من تلوث المياه كما أن النظم البيئية الناتجة عن التعدين السابق تحتاج إلى معالجة دقيقة بمشاركة السكان المحليين.

وتدفع غرينلاند أيضًال ثمن تغير المناخ كباقي دول الكوكب، إذ إن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار، لكنه من ناحية أخرى يفتح ممرات بحرية جديدة ويكشف موارد معدنية إضافية.

اقرأ أيضًا:
زلزال سياسي محتمل.. ماذا لو غزت أمريكا غرينلاند؟
تاريخ الأطماع الدولية والسيادة المفقودة في غرينلاند
جزيرة غرينلاند.. مطمع أمريكي يُشعل طموحات ترامب