عادت جزيرة غرينلاند إلى دائرة الضوء الدولي مجددًا بالتزامن مع التطورات السياسية الكبرى التي صاحبت القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإخضاعه للمحاكمة في الولايات المتحدة، وما أثاره ذلك من إعادة رسم لخريطة المصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي، خصوصًا مع إحياء تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رغبته في ضم غرينلاند إلى بلاده.
وفيما يلي أبرز التفاصيل حول جزيرة غرينلاند:
الموقع والهوية الجغرافية والديموغرافيا
تقع جزيرة غرينلاند في أقصى شمال قارة أمريكا الشمالية، في نقطة تماس جغرافي فريدة بين المحيط المتجمد الشمالي وشمال المحيط الأطلسي. وتمتد الجزيرة على مساحة شاسعة تتجاوز 2.16 مليون كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر جزيرة غير قارية على وجه الأرض. وعلى الرغم من هذا الامتداد الهائل، تُعد غرينلاند من أقل المناطق كثافة سكانية في العالم، إذ تغطي الصفائح الجليدية نحو 80% من مساحتها على مدار العام.
يُقدّر عدد سكان غرينلاند بنحو 57,751 نسمة وفق تقديرات عام 2024، مع تسجيل معدل نمو سكاني سلبي بلغ -0.05%. ويشكل السكان الأصليون من الإنويت، والمنحدرون منهم، الغالبية الساحقة بنسبة تفوق 88%، بينما تعود النسبة المتبقية أساسًا إلى أصول دنماركية مع وجود محدود لجنسيات أخرى. ويُمنح حق الاقتراع لجميع المواطنين عند بلوغ سن 18 عامًا، ضمن نظام اقتراع عام.
اللغات والهوية الثقافية
تُعد لغة كالاليسوت، المعروفة بغرينلاندية الغرب، اللغة الرسمية للجزيرة، إلى جانب استخدام واسع للدنماركية، إضافة إلى الإنجليزية في مجالات التعليم والسياحة والعلاقات الدولية. وتحمل الجنسية الغرينلاندية اسمًا وصفةً واحدة، في تعبير عن هوية قومية متمايزة داخل الإطار الدنماركي.
وتُعد مدينة نوك، المعروفة تاريخيًا باسم جودثاب، العاصمة السياسية والإدارية لغرينلاند. وتحمل البلاد نشيدًا وطنيًا بعنوان “Nunarput utoqqarsuanngoravit”، الذي يُترجم إلى “أنتِ أرضنا القديمة”. ويحتفل الغرينلانديون بيومهم الوطني في 21 يونيو، وهو أطول أيام السنة.
أما العلم الوطني، فيتكون من لونين أفقيين أبيض في الأعلى وأحمر في الأسفل، تتوسطهما دائرة منحرفة قليلًا إلى اليسار، بألوان معكوسة ترمز إلى غروب الشمس وانعكاسها على الجليد والمياه.
النظام السياسي والحكم الذاتي
تتمتع غرينلاند بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك، في إطار نظام ديمقراطي برلماني يخضع لملكية دستورية. ورغم أن كوبنهاغن لا تزال تتولى شؤون السياسة الخارجية والدفاع، فإن حكومة غرينلاند تشارك بفاعلية في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة المباشرة بالجزيرة. وحصلت غرينلاند على أول أشكال الحكم الذاتي عام 1979، قبل أن تُمنح صلاحيات أوسع عام 2009، بعد عقود من المطالبات الشعبية بالاستقلال السياسي والإداري.
ويتولى ملك الدنمارك صفة رئيس الدولة رسميًا، ويمثله في غرينلاند مفوض سامٍ. وتُدار شؤون الحكم المحلي عبر برلمان منتخب يُعرف باسم “إيناتسيسارتوت”، يضم 31 عضوًا يُنتخبون لمدة أربع سنوات. ويقوم البرلمان باختيار رئيس الوزراء بناءً على موازين القوى الحزبية. وإداريًا، تنقسم غرينلاند إلى خمس بلديات رئيسية: أفاناتا، كوجالق، قيقرتالك، قيقاتا، وسيرمرسوق. كما يمثل الجزيرة عضوان منتخبان في البرلمان الدنماركي.
وتشير الاكتشافات الأثرية إلى وجود بشري متقطع في غرينلاند منذ آلاف السنين، غير أن أول استيطان موثق يعود إلى شعب "ثول" في القرن الثالث عشر الميلادي، الذين تمكنوا من التأقلم مع البيئة الجليدية عبر ابتكارات مثل الكاياك وزلاجات الكلاب. وفي العصور الوسطى، وصلت بعثات أوروبية بقيادة إريك الأحمر، قبل أن تضم النرويج الجزيرة عام 1261. ومع انقطاع الاتصال بالمستوطنات بسبب الطاعون الأوروبي والعصر الجليدي المصغر، أعلنت الدنمارك سيادتها رسميًا في القرن السابع عشر، وهو وضع صادقت عليه المحاكم الدولية عام 1953.
المجتمع والدين ونمط الحياة
ينتمي غالبية السكان الذين يعتنقون ديانة إلى الكنيسة الإنجيلية اللوثرية، مع استمرار حضور المعتقدات التقليدية للإنويت. ويبلغ متوسط العمر المتوقع نحو 77.3 عامًا للنساء و71.8 عامًا للرجال، في حين تسجل وفيات الرضع نحو 8.5 حالات لكل ألف ولادة حية. ويعترف المجتمع الغرينلاندي بثلاث مجموعات ثقافية رئيسية: سكان الغرب (كيتاموت)، وسكان الشرق (تونوميت)، والإنويت القطبيون في الشمال (إينوجويت).
ولا يزال الطعام التقليدي، القائم في كثير من الأحيان على استهلاك اللحوم النيئة، يحظى بمكانة خاصة، ويُنظر إليه على أنه أكثر فائدة صحية من الأغذية المستوردة. وتدور الأنشطة الثقافية والترفيهية حول الصيد البحري والبري، التي تحولت من وسائل معيشة إلى مناسبات اجتماعية ذات طقوس متوارثة.
البيئة والتضاريس والمناخ
يمثل الغطاء الجليدي في غرينلاند ثاني أكبر غطاء جليدي في العالم بعد القارة القطبية الجنوبية، بسمك يصل في بعض المناطق إلى أكثر من 3,300 متر، وتُخزن غرينلاند نحو 8% من المياه العذبة في العالم داخل غطائها الجليدي. وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن هذا الغطاء يشكل سلسلة جبلية هائلة تمتد بطول الجزيرة، مع انحدارات تدريجية غربًا وحادة شرقًا. وتقع الحديقة الوطنية في شمال شرق غرينلاند، على مساحة تقارب 972 ألف كيلومتر مربع، وهي من أكبر المناطق المحمية في العالم، رغم قسوة ظروفها الطبيعية.
في الوقت نفسه، تفتقر الجزيرة إلى الغابات، إلا أن فصل الصيف يشهد نمو الأعشاب والزهور البرية والأشنات. وقد تكيفت حيوانات مثل الرنة، والثور المسكي، والدب القطبي، والذئب القطبي مع هذه البيئة القاسية. وتتفوق الحياة البحرية في تنوعها، حيث تضم الروبيان، والقد، والهلبوت، والفقمات، وأنواعًا متعددة من الحيتان، ما يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي.
وفيما يتعلق بالمناخ، يسود غرينلاند مناخ قطبي وشبه قطبي، مع درجات حرارة منخفضة على مدار العام، خصوصًا في المناطق الداخلية حيث تبقى تحت الصفر دائمًا. وتفاوتت كميات الأمطار بشكل حاد بين الشمال والجنوب، مع تسجيل حدث غير مسبوق عام 2021 حين هطلت الأمطار على قلب الغطاء الجليدي لأول مرة في التاريخ المسجل.
ومنذ مطلع الألفية، تُعد غرينلاند من أسرع مناطق العالم تأثرًا بالاحترار المناخي، ما جعل ذوبان جليدها عاملًا مؤثرًا في ارتفاع مستوى البحار وتغير أنماط دوران المحيطات عالميًا.
الاقتصاد والموارد
بلغ الناتج المحلي الإجمالي لغرينلاند نحو 3.27 مليارات دولار عام 2023، مع نصيب فردي مرتفع نسبيًا. ولا تزال الجزيرة تعتمد على الدعم المالي الدنماركي، رغم سياسات تهدف إلى تقليص العجز والتضخم.
تُعد صناعة صيد الأسماك العمود الفقري للاقتصاد، خاصة الروبيان في خليج ديسكو، إلى جانب الهلبوت. كما تمتلك البلاد احتياطيات معدنية مهمة تشمل الحديد، والذهب، واليورانيوم، والبلاتين، والنيوبيوم والتي تدرس البلاد الاستفادة منها، مع احتمالات لوجود النفط والغاز تحت الغطاء الجليدي. ويحد المناخ القاسي من النشاط الزراعي، باستثناء تربية الأغنام وبعض المحاصيل المحدودة في البيوت الزجاجية. أما السياحة، فتجذب العلماء والمغامرين الباحثين عن مناظر طبيعية نادرة وتجارب قطبية فريدة.
الأهمية السياسية والمناخية
في عام 2024، عاد الجدل الدولي حول غرينلاند إلى الواجهة بعد تجديد الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب رغبته في شرائها، ما دفع الدنمارك إلى زيادة إنفاقها الدفاعي. وتعود تلك المطامع التي لا تقتصر على الولايات المتحدة فقط بل تشمل أيضًا الصين، إلى موقع الجزيرة الاستراتيجي في القطب الشمالي واحتوائها على معادن نادرة.
على الجانب الآخر، أبدى عدد من العلماء في السنوات الأخيرة، قلقهم البالغ إزاء تقلص الغطاء الجليدي الضخم في غرينلاند، مؤكدين ارتباط هذه الظاهرة بشكل مباشر بتغير المناخ الناتج عن النشاط البشري. وأوضح فريق بحث دولي، في دراسة نُشرت بمجلة "رسائل البحوث الجيوفيزيائية"، أن الغطاء الجليدي للجزيرة يفقد سنويًا كميات هائلة من المياه تعادل حجم 110 ملايين حوض سباحة أولمبي، ما يعكس سرعة وتأثير الذوبان على النظم البيئية والمستويات البحرية العالمية.
اقرأ أيضًا:
لماذا يُصر ترامب على ضم غرينلاند؟
تسجيل عدد غير مسبوق من الزلازل الجليدية في جرينلاند
ماذا لو: نجح ترامب في ضم جرينلاند؟













